مشاهدة النسخة كاملة : تفسير جزء الشورى (25)
شهد الجنه
23-04-2008, 06:30 PM
سورة : الشورى
من : (أول السورة الكريمة)
[بقية الربع الأول – من الحزب التاسع والأربعين ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وهى : سورة مكية.
تركز بشكل واضح على قضية الوحى والرسالة.
وتوضح – بجانب الأهداف المكية – ملامح القيادة الرشيدة التى تتبع هذا الوحى، ومنهج هذه الرسالة ، لتقود بعدل هذه الأمة، التى هى خير أمة أخرجت للناس.
وهى : تبدأ بقوله تبارك وتعالى :
{ حم * عـسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ }
[الآيات : 1 – 5]
كذلك أى : مثل الإيحاء بـ "حم عسق" يوحى إليك بالقرآن، و قد أوحى إلى كل الأنبياء الذين من قبلك.
ولكن : من هذا الموحى ؟
إنه الله عز وجل، الموصوف بهذه الصفات :
الأولى : العزيز فى ملكه، الغالب بقدرته.
الثانية : الحكيم فى صنعه، وأقواله , وأفعاله.
الثالثة : المالك لكل شئ له ما فى السموات وما فى الأرض ملكاً وخلقاً وعبيداً.
الرابعة : وهو العلى المتعالى عن مشابهة الممكنات والحوادث.
الخامسة : العظيم القادر، القاهر بالاستعلاء وكمال الإلهية.
السادسة : له الهيبة تكاد السموات من علو شأن الله وهيبته يتفطرن يتشقق من فوقهن أى : بعضها فوق بعض.
السابعة : له الحمد والملائكة يسبحون بحمد ربهم لماله عز وجل من الجلال والكبرياء ويستغفرون بأمر ربهم لمن فى الأرض من المؤمنين.
ألا حقاً إن الله الموصوف بهذه الصفات، الذى يوحى إليك هو كذلك : الغفور لأوليائه.
وهذه : هي الصفة الثامنة .
الصفة التاسعة : الرحيم بهم، والذى وسعت رحمته كل شئ، سبحانه وتعالى.
* * *
هذا : هو الله الذى يستحق أن يعبد وحده، وأن لا يعبد سواه.
{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }
[الآية : 6]
أى والذين اتخذوا من دونه سبحانه أولياء آلهة لهم وعبدوهم : لست مكلفاً بإجبارهم على الإيمان.
الله وحده حفيظ عليهم رقيب على أقوالهم وأفعالهم , وسيجازيهم عليها.
وما أنت عليهم بوكيل إنما أنت نذير لهم فقط.
* * *
وبعد أن بين الله عز وجل أنه أوحى إلى الأنبياء من قبله , يقول له :
{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }
[الآية : 7]
وكذلك يعنى : وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك أوحينا إليك يا محمد.
وكان وحينا لك قرآنا عربياً بلسان قومك.
وذلك : لتنذر وتخوف أهل أم القرى ومن حولها من البلاد، الأقرب، فالأبعد، ثم الأبعد، حتى تصل دعوتك للدنيا كلها.
ولكن : بماذا تنذر، وتخوف 00؟
الجواب :
ولتنذر يوم الجمع أى : تنذر بعذاب يوم الجمع للخلائق، وهو يوم القيامة.
وهو يوم لا ريب فيه ولا فى وقوعه.
وساعتها : يكون الناس فريق منهم فى الجنة وفريق آخر منهم فى السعير كل على حسب إيمانه وعمله ؛ حيث إنهم مختلفون فى الإيمان بالله، والاستعداد للقائه سبحانه.
* * *
{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }
[الآية : 8]
نعم ولو شاء الله لجعلهم جميعاً أمة واحدة مهتدين، أو ضالين ولكن لم يشأ ذلك ؛ لحكمه يعلمها هو سبحانه، ولله الحكمة البالغة فى كل شئ.
وبهذا
يدخل من يشاء فى الإسلام، ويجعله فى رحمته ويدخله جنته.
والظالمون الذين اتخذوا من دونه أولياء : يضلهم عن الهدى، ويدخلهم النار .
وساعتها ما لهم من ولى يشفع لهم ولا نصير يدافع عنهم.
* * *
ثم ينكر ربنا عز وجل على هؤلاء الظالمين اتخاذهم أولياء من دونه 00
فيقول :
{ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
[الآية : 9]
يعنى : إن أرادوا اتخاذ ولىَّ حقاً !! ؟
فليس هناك سوى الله عز وجل.
حيث هو الولى بحق، ولا ينبغى أن تكون العبادة إلا له وحده.
وهو سبحانه الذى يحى الموتى ولا يفعل ذلك سواه.
وهو الذى على كل شئ قدير وليس ذلك لأحد غيره سبحانه.
* * *
أيها الأحبة فى الله !!
فهمنا الآن : أن هناك فريقين يختلفان
ومن المعلوم : أنه لابد عند كل خلاف من حاكم وحُكم !!
والحاكم بالطبع : هو الله، ولا حكم إلا منه.
لذلك يقول تعالى :
{ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }
[الآية : 10]
يعنى وما اخلفتم فيه من أى شئ وأى أمر من الأمور : فحكمه إلى الله وحده، أى : بكتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يفضل فيه الفصل الحق، ويحكم فيه الحكم العدل.
قل لهم يا محمد
ذلكم الحاكم العادل
أولاً : هو الله الذى لا إله سواه.
ثانياً : وهو ربى الذى لا رب سواه.
ثالثاً : عليه توكلت فى دفع الأعداء، وطلب كل خير.
رابعاً : وإليه أنيب أرجع فى كل المهمات، استخارة، واستعانة، وتوبة واستغفاراً.
* * *
وهو :
{ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
[الآيتان : 11 ، 12]
يعنى : ذلكم الله فاطر خالق السموات والأرض وما بينهما، وما فيهما، ومن فيهما، ولا يقدر على ذلك غيره.
سادساً : جعل خلق لكم من أنفسكم من جنسكم؛ تفضلاً عليكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم : 21].
يذرؤكم يكثركم، ويزيد من أعدادكم فيه فى هذا التزاوج , ولا يقدر على ذلك سواه، ولا يعلم الحكمة من ذلك إلا هو سبحانه.
سابعاً : ليس كمثله أى : كهو، أو كذاته، شئ سبحانه وتعالى.
ثامناً : وهو السميع لجميع الموجودات.
تاسعاً : وهو البصير بجميع الموجودات.
عاشراً : له وحده سبحانه مقاليد مفاتيح السموات والأرض فهو المالك والحافظ لأمرهما، ومن فيهما.
حادى عشر : يبسط عز وجل الرزق ويوسعه لمن يشاء من عباده ويقدر يضيق ويفقر من يشاء كذلك من عباده.
ثانى عشر : إنه جل جلاله بكل شئ من التوسعة والتضييق عليم فهو يعطى من يشاء بعلم، ويمنع عمن يشاء بعلم، سبحانه وتعالى جل شأنه
شهد الجنه
23-04-2008, 06:35 PM
أ
يها الأحبة فى الله تعالى !!
لما كان من المعلوم أن الله سبحانه يجيب دعاء المؤمنين، ويقبل التوبة عنهم، ويعفو عن سيئاتهم !!
فلماذا نرى المؤمن قد يكون فى شدة وبلية، أو فقر ومجاعة، ثم يدعو ولا يشاهد أثر الإجابة ؟
الجواب :
{ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ }
[الآيتان : 27 ، 28]
حقاً ولو بسط الله الرزق لعباده جميعاً، وأغناهم لبغوا فى الأرض على بعضهم البعض، وظلموا، وتكبروا.
ولكن يعلم سبحانه أحوالهم، وما يصلحهم لذلك ينزل لهم الرزق بقدر حسب ما يشاء وتقضيه حكمته عز وجل.
حيث إنه بعباده خبير بصير.
وفى الحديث القدسى "إن من عبادى من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد حاله، وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله" وفى رواية : "لأفسدت عليه دينه".
وهو سبحانه الذى ينزل الغيث المطر للناس، وقت حاجتهم إليه من بعد ما قنطوا يئسوا من نزوله إليهم.
وذلك : لحكمة يعلمها هو عز وجل.
و هو سبحانه الذى ينشر رحمته الواسعة على جميع خلقه.
و هو سبحانه الولى المحسن للمؤمنين الحميد المحمود الذى يحمده أهل طاعته.
وكل ذلك : يدل على قدرته سبحانه، وعلمه، وحكمته.
* * *
ثم يذكر ربنا تبارك وتعالى آيات تدل على ألوهيته ووحدانيته فيقول :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ * وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }
[الآيات : 29 – 31]
أى : ومن آياته الكثيرة، الدالة على ألوهيته، ووحدانيته، وقدرته، وحكمته خلق السموات والأرض على هذا النحو الفريد البديع.
و كذلك خلق ما بث نشر وفرق فيهما من دابة على اختلاف أنواع الدواب وأحجامها وأشكالها إلخ.
و أيضاً هو سبحانه وحده على جمعهم فى يوم الحشر إذا يشاء قدير.
هذا و اعلموا
أولاً : أنه ما أصابكم فى الدنيا من مصيبة مكروه، أو شدة، أو بلية، أو فقر، أو مرض إلخ فيما كسبت أيديكم من الذنوب، وهذا تكفير له.
ثانياً : و أنه سبحانه وتعالى يعفوا عن كثيرمن ذنوبكم، فلا يؤاخذكم به.
ولذلك قيل هذه أرجى آية فى القرآن لأن الله عز وجل لا يجمع على عبده بين عقوبتين، ولا يعاقب على ما سبق وأن عفى عنه.
ولما بشر المؤمنين وطمأنهم
ينظر فيها خوف الكافرين وخوفهم فقال :
وما أنتم يا مشركون بمعجزين بهاربين فى الأرض من عذاب الله وما لكم من دون الله من ولى يدافع عنكم ولا نصير يدفع عنكم ويمنع عذاب الله عندما ينزل بكم.
* * *
ثم يقول ربنا تبارك وتعالى كذلك :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ }
[الآيات : 32- 34]
ومن آياته الكثيرة أيضاً : هذه الجوار السفن، التى تسير فى البحر كالأعلام كالجبال 00!!
ثم 00
إن يشأ سبحانه، وله المشيئة العليا، والأمر النافذ يسكن الريح يوقف الريح عن تسيير هذه السفن أسكنها، وأوقفها فيظللن فى مكانهن،واقفان رواكد ثوابت على ظهره أى : ظهر الماء.
إن فى ذلك لآيات لكل صبار على بلائه شكور على نعمائه.
وعلى هذا : ينبغى أن يكون حال المؤمن على البلاء من الصابرين، ومع النعماء من الشاكرين.
أو
إن يشأ سبحانه، وله المشيئة العليا، والأمر النافذ يهيج الريح، فتعصف بالسفن، ويوبقهن يهلكهن غرقاً بما كسبوا أى : أصحابها من الذنوب.
و هو سبحانه الذى يعفوا عن كثير من ذنوب عباده فلا يجازى ويؤاخذ عليها.
* * *
ثم يقول تعالى مهدداً من لا يعتبر بآياته سبحانه :
{ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ }
[الآية : 35]
أى : و ينبغى أن يعلم الذين يجادلون فى آياتنا هذه وغيرها، ولا يعتبرون بها فيؤمنون أنه ما لهم من محيص ومهرب من عذاب الله، بسب جدالهم هذا، وكفرهم الناتج عنه، أو كفرهم وجدالهم الناتج عنه.
* * *
وبعد أن ذكر ربنا تبارك وتعالى من دلائل التوحيد ما ذكر أتبع ذلك بتحقير ما يصرف عن الاعتبار والإفادة من هذه الدلائل، وهو الانبهار والانشغال التام بمتاع الدنيا.
فقال :
{ فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }
[الآية : 36]
يعنى : ينبغى أن لا يصرفكم شئ عن توحيد الله، وعبادة، وبخاصة ما كان من أمر الدنيا.
وإلإ فـ إن ما أوتيتم أى : ما آتاكم الله من شئ قليل أو كثير فـ هو من متاع الحياة الدنيا الزائل، الذى لا ينبغى الاغترار به عن توحيد الله، ولا الانشغال به عن عبادة الله.
و أما ما عند الله من الثواب والنعيم فهو خير من متاع الدنيا وأبقى منه؛ لأنه أبدى غير زائل ولا منته.
ولكن لمن هذا النعيم والثواب الأبدى، الذى عند الله تعالى ؟
وهنا يكون الجواب الواضح بتحديد صفات جماعة المسلمين، وبالميزان الذى تتعرف به عليهم، وتتخلق معهم بأخلاقياته.
فمن هم ؟
إنهم الذين يقول عنهم ربهم وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون
حيث حدد المولى عز وجل من صفاتهم ما يلى :
الصفة الأولى : أنهم آمنوا بربهم، واتبعوا نبيهم، والتزموا بشريعتهم.
الصفة الثانية : أنهم وعلى ربهم وحده يتوكلون ويعتمدون فى كل أمورهم.
* * *
ثم يقول ربنا عز وجل :
{ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ }
[الآية : 37]
وفى هذه الآية الكريمة نجد من صفاتهم :
الصفة الثالثة : أنهم يجتنبون يبتعدون عن كبائر الإثم كالبدع واختلاق الشبهات والفواحش وهى ناتج القوة الشهوانية.
الصفه الرابعة : أنهم إذا ما غضبوا لأنفسهم، أو فى أمر دنيوى هم يغفرون يتسامحون، ولا يؤاخذون.
* * *
ثم يقول ربنا عز وجل :
{ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }
[الآية : 38]
وفى هذه الآية الكريمة : نجد كذلك من صفاتهم :
الصفة الخامسة : أنهم استجابوا لربهم فاتبعوا رسله، وأطاعوا أوامره، واجتنبوا زواجره، واجتمعوا على دينهم، ولم يتفرقوا فيه.
الصفة السادسة : أنهم أقاموا الصلاة داوموا عليهم، وحافظوا على إتمامها فى مواقيتها وأركانها وهيئاتها.
الصفة السابعة : أنهم أمرهم شورى بينهم لا ينفردون برأى، بل يجتمعون عليه، وما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم.
وفى الحديث الذى رواه الإمام الترمذى "إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاؤكم وأمركم شورى بينكم فظهر الارض خير لكم من باطنها وإن كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاؤكم، وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظاهرها"
الصفة الثامنة : أنهم مما رزقناهم أى : رزقهم الله ينفقون فى طاعة الله.
* * *
ثم يقول ربنا عز وجل :
{ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ }
[الآية : 39]
وفى هذه الآية الكريمة نجد من صافتهم ما يلى :
الصفة التاسعة : أنهم إذا أصابهم البغى ووقع عليهم الظلم هم ينتصرون ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين، ولا بالذليلين.
* * *
ثم يقول سبحانه وتعالى :
{ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ }
[الآيات :40 – 43]
فى هذه الآية الكريمة نجد من صفات الجماعة المسلمة أخيراً :
الصفة العاشرة : أنهم إذا انتصروا ممن ظلمهم كان انتصارهم جزاء سيئةٍ سيئةً مثلها فقط من غير زيادة عليها، وإلا صار ظالماً.
وينبغى أن يكون ملحوظاً أن هذا الانتصار وإن كان مشروعاً لهم فهو مشفوع بأمرين :
الأول : شرط المماثلة.
الثانى : أن العفو عند القدرة أولى.
ولذلك : يحث ربنا عز وجل على العفو عند القدرة على الانتصار، بل على الصفح أيضاً إذْ يقول فمن عفا وأصلح فأجره على الله وهو وعد بالخير، لا يقاس عليه شئ فى التعظيم.
حيث إنه سبحانه لا يحب الظالمين ابتداءً، ولا فى رد العدوان عن أنفسهم.
ولكن 00
يلاحظ جيداً أنه من انتصر بعد ظلمه وفق هذه الشروط ما عليهم من سبيل فى المؤاخذة، أو العقاب، لأن هذا حقهم.
إنما السبيل فى المؤاخذة والعقاب على الذين يظلمون الناس ويعتدون عليهم، أو يسلبون حقوقهم، أو ينتهكون حرماتهم، أو يبغون فى الأرض بغير الحق ويتكبرون فيها ويفسدون.
نعم أولئك لهم من الله عذاب أليم فى يوم القيامة.
وفى النهاية : يذكر ربنا بالصبر على الأذى، والصفح والعفوان فيقول ولمن صبر على الأذى، بشرط أن لا يكون فى ذلك الصبر تشجيع للمعتدى بزيادة الاعتداء وغفروستر السيئة إنصبره ذلك وغفرانه هذا لمن عزائم الأمور التى ندب الشارع إليها، وأثاب عظيماً عليها.
* * *
هذه صفات الجماعة المسلمة !!
من عرفها، وتحلى بها، وحافظ عليها فقد هداه الله
ومن تجاهلها، أو لم يؤمن بها فقد أضله الله
..حقا
{ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُمِن سَبِيلٍ }
[الآيات : 44 – 46
]
يعنى : ومن يضلل الله من الناس، عن هذه الصفات، ومن ثَمَّ لا يتحلى بها، فما له من ولى يتولى أموره من بعده أى : من بعد إضلال الله له، وهو من الظالمين.
ثم يصور الله عز وجل حال هؤلاء الظالمين، الذين أضلهم الله فيقول :
وترى الظالمين هؤلاء فى يوم القيامة لما رأوا العذاب وتأكدوا من صدق تهديد الله لهم فى الدنيا به يقولون هل إلى مرد عودوا بى الدنيا؛ لنعمل صالحاً من سبيل.
ولا يكون لهم جواب، ولا إجابة.
وتراهم بعد ذلك يعرضون عليها أى : النار خاشعين منكسرين من الذل الذى هم فيه ينظرون إليها من طرف خفى ضعيف، يسترقون النظر إليها، فيفزعون، فيحولون بصرهم عنها، ثم يعودون فينظرون من الخوف.
و هنا قال الذين آمنوا لهم لقد خسرتم كل شئ، حيث إن الخاسرين حقيقة : هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وأنتم كذلك من الخاسرين الظالمين.
ذوقوا إذن عذاب ظلمكم وكفركم ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم.
و ساعتها ما كان لهم أى : ليس لهم من أولياء محببين ينصرونهم ويدافعون عنهم من دون الله الذى أمر بعذابهم.
من يضلل الله فما له من سبيل للنجاة من عذاب الله.
* * *
وبعد أن وعد ربنا وأوعد بين المقصود، وطالب به
قائلاً :
{ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ }
[الآية : 47]
استجيبوا لربكم فى كل ما دعاكم إليه من قبل أن يأتى يوم القيامة.
حيث لا مرد له من الله أى لا يدفع عنكم عذابه أحد.
وكذلك ما لكم من ملجأ مهرب، تهربون إليه من هذا العذاب يومئذ.
و ثالثاً ما لكم من نكير أى : لا تستطيعون إنكار شئ مما فعلتموه.
* * *
ثم يقول ربنا سبحانه وتعالى للبشير النذير صلى الله عليه وسلم.
{ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ }
[الآية : 48]
فإن أعرضوا يا محمد عن الاستجابة لما دعوتهم إليه، طاعته لله، فلا عليك، ولا تغنم فما أرسلناك عليهم حفيظاً تحفظ أعمالهم، وتوفق سلوكهم، وتلزمهم بما طالبتهم به إن عليك إلا البلاغ للرسالة إليهم، فقط.
واعلم أن نعم الدنيا، التى شغلتهم وصرفتهم عن الإيمان بالنسبة لما أعده الله لعباده الصالحين فى جنات النعيم كالقطرة بالنسبة إلى البحر، ولذلك سمى نعم الدنيا ذوقاً فقال :
وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة نعمة كالغنى والصحة وخلافه : فرح بها وطغى بسببها.
وإن تصبهم سيئة من : فقر، أو مرض، وخلافه، وذلك بما قدمت أيديهم واكتسبته من المعاصى فإن الإنسان كفور ينسى النعمة، ويذكر النقمة، ويكفر فى الرخاء وفى البلاء، إلا إذا قاوم طبعه، وهذب نفسه، وأدبها بشرع الله.
* * *
وينبغى أن لا تغره النعمة فكل النعم من الله، وكل الكون ملك لله، فعلى العاقل أن يجعلها وسائل لطاعة الله.
يقول تعالى :
{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ]
[الآيتان : 49 ، 50]
نعم لله ملك السموات والأرض وما فيهن، ومن فيهن، وهو سبحانه المتصرف، وهو المعطى وهو المانع.
فينبغى أن لا يغتر الإنسان بما يصل إليه حيث إنه من الله ومن ملك الله، ومن عطاء الله.
وهو سبحانه؛ الذى يخلق ما يشاء فى هذا الكون كله.
ثم ذكر من أحوال تصرف الخالق فى ملكه : أنه يخص البعض من الناس بالإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالذكور والإناث معاً، والبعض يجعله محروماً من الكل.
فقال يهب لمن يشاء من عباده بحكمته إناثاً هبة منه تعالى، وإنعاماً على عبده.
ويهب لمن يشاء منهم الأولاد الذكور.
أو يزوجهم يعنى يهبه من الصنفين ذكراناً وإناثاً.
ويجعل من يشاء منهم عقيماً لا يولد له.
إنه سبحانه عليم بمن يستحق هذا أو ذاك قدير على ما يشاء، لا راد لإرادته، ولا معقب لحكمه، ولا شئ فوق حكمته
شهد الجنه
23-04-2008, 06:37 PM
وبعد أن بين المولى كمال علمه، وقدرته، وحكمته اتبعه بيان إنعامه على أنبيائه بوحيه وكلامه
فقال :
{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }
[الآية : 51]
وما كان وما صح لبشر أبداً أن يكلمه الله سبحانه إلا على أحد ثلاثة أوجه :
الأول : وحياً أى : إلهاماً؛ وقذفاً فى القلب كما أوحى الله إلى أم موسى عليه السلام، أو مناماً كما أوحى إلى إبراهيم عليه السلام بذبح ولده.
الثانى : أو من وراء حجاب بأن يسمع كلام ربه، دون أن يبصر شيئاً، كما حدث مع موسى عليه السلام عند طور سيناء.
الثالث : أو يرسل رسولاً من الملائكة فيوحى هذا الملك إلى النبى أو الرسول بإذنه أى : بأمر الله ما يشاء الله من الوحى.
حيث إنه سبحانه على حكيم.
* * *
ولما بين الله عز وجل على هذا النحو أقسام الوحى : قال لحبيبه :
{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ }
[الآيتان : 52 ، 53]
وكذلك ومثل الوحى الذى أوحيناه إلى الرسل من قبلك أوحينا إليك يا محمد روحاً من أمرنا وهو القرآن.
ما كنت تدرى وتعرف قبل هذا الوحى بالقرآن إليك ما الكتاب ولا تدرى ما الإيمان أيضاً.
ولكن جعلناه أى : القرآن بوحينا لك إياه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا الذين سبق علم الله فيهم أنهم يستحقون الهداية.
وإنك يا محمد لتهدى لتدعو إلى صراط مستقيم وهو صراط الله الذى هو الإسلام.
وهذا الصراط المستقيم، الذى هو الإٍسلام هو من الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ومن فيهما، وما بينهما، خلقاً وملكاً وتصرفاً.
ألا فانتبهوا، وآمنوا، إنه إلى الله وحده تصير الأمور وترجع إليه كلها، فيفصل فى شأنها، ويعذب العاصى، ويثيب المطيع.
* * *
وبهذا، وعلى هذا النحو : عالجت السورة قضية الوحى، منذ البنوات الأولى 00
لتقرر : وحدة ، ووحدة المنهج، ووحدة الطريق.
ولتعلن : القيادة فى الجديده للبشرية، ممثلة فى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وفى الجماعة المؤمنة بهذه الرسالة.
ولتكمل : إلى هذه الجماعة المؤمنة أمانة القيادة إلى الصراط المستقيم صراط الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض.
ولتبين : خصائص هذه الجماعة المؤمنة، وطابعها المميز، الذى تصلح به للقيادة، وتحمل به هذه الأمانة، التى تنزلت من السماء إلى الأرض عن ذلك الطريق العظيم العجيب، وهو الوحى.
* * *
جعلنا الله وإياكم وجميع المسلمين من أهل طاعته، ورضوانه.
شهد الجنه
23-04-2008, 06:38 PM
والان مع تفسير سورة الزخرف بمشيئة الله
حاتم ابو محمد
23-04-2008, 10:36 PM
بارك الله بكم اختنا الفاضلة شهد الجنة ونسال الله ان يكون لكي الاجر والثواب في هذا العمل العظيم
ونذكر بالمتسابقين على الخير بان التفسير القادم هو تفسير سورة الزخرف
صعب المنال
24-04-2008, 05:24 AM
سورة الزّخْرُف
تأكيد عربية القرآن، وعقاب المستهزئين بالأنبياء
عبادة المشركين غير الله
البراءة من عبادة الأصنام، واختيار الله للأنبياء
حال المعرض عن ذكر الله، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم
العبرة من قصة موسى عليه السلام مع فرعون
العبرة من قصة عيسى عليه السلام
نِعَمُ الله على المؤمنين يوم القيامة
حال الأشقياء الفجار يوم القيامة
تنزيه الله تعالى عن الولد والشريك
بَين يَدَي السُّورَة
* سورة الزخرف مكية، وقد تناولت أسس العقيدة الإِسلامية وأصول الإِيمان، "الإِيمان بالوحدانية، وبالرسالة، وبالبعث والجزاء" كشأن سائر السور المكية.
* عرضت السورة لإِثبات مصدر الوحي، وصدق هذا القرآن، الذي أنزله الله على النبيّ الأمي بأفصح لسانٍ، وأنصع بيان، ليكون معجزة واضحة للنبي العربي.
* ثم عرضت إلى دلائل قدرته تعالى ووحدانيته، منبثةً في هذا الكون الفسيح، في السماء والأرض، والجبال والوهاد، والبحار والأنهار، والماء الهاطل من السماء، والسفن التي تسير فوق سطح الماء، والأنعام التي سخرها الله للبشر ليأكلوا لحومها ويركبوا ظهورها.
* ثم تناولت السورة ما كان عليه المجتمع الجاهلي من الخرافات والوثنيات فقد كانوا يكرهون البنات، ومع ذلك اختاروا لله البناتِ سفهاً وجهلاً، فزعموا أن الملائكة بنات الله، فجاءت الآيات لتصحيح تلك الانحرافات، وردِّ النفوس إلى الفطرة، وإلى الحقائق الأولى القطعية.
* وتحدثت السورة بإِيجاز عن دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام، الذي يزعم المشركون أنهم من سلالته وعلى ملته، فكذبتهم في تلك الدعوى، وبينت الآيات أن إبراهيم أول من تبرأ من الأوثان.
* ثم انتقلت إلى تفنيد تلك الشبهة السقيمة، التي أثارها المشركون حول رسالة محمد عليه السلام، فقد اقترحوا أن تتنزَّل الرسالة على رجلٍ من أهل الجاه والثراء، لا على يتيم فقير كمحمد صلى الله عليه وسلم فجاءت الآيات لتقرير أن الجاه والثراء ليسا ميزاناً لكرامة الإِنسان واستحقاقه المناصب الرفيعة، وأن الدنيا من الحقارة والمهانة بحيث لو شاء الله لأغدقها على الكافرين ومنعها عباده المؤمنين.
* وذكرت السورة قصة "موسى وفرعون" لتأكيد تلك الحقيقة السابقة، فها هو فرعون الجبار يعتز ويفخر على موسى بملكه وسلطانه، كما يعتز الجاهلون من رؤساء قريش على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكون نتيجته الغرق والدمار.
* وختمت السورة الكريمة ببيان بعض أحوال الآخرة وشدائدها وأهوالها، وبيان حال الأشقياء المجرمين، وهم يتقلِّبون في غمرات الجحيم.
التسميَــة:
سميت "سورة الزخرف" لما فيها من التمثيل الرائع - لمتاع الدنيا الزائل وبريقها الخادع - بالزخرف اللامع، الذي ينخدع به الكثيرون، مع أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولهذا يعطيها الله للأبرار والفجار، وينالها الأخيار والأشرار، أما الآخرة فلا يمنحها الله إلا لعباده المتقين، فالدنيا دار الفناء، والآخرة دار البقاء.
تأكيد عربية القرآن، وعقاب المستهزئين بالأنبياء
صعب المنال
24-04-2008, 05:26 AM
]حم(1)وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(2)إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3)وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ(4)أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ(5)وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ(6)وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءون(7)فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ(8)
{حم} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} قسمٌ أقسم الله به أي أُقْسمُ بالقرآن البيّن الواضح الجلي، المظهر طريق الهدى من طريق الضلال، المبيِّن للبشرية ما تحتاج إليه من الأحكام والدلائل الشرعية {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} هذا هو المقسم عليه أي أنزلناه بلغة العرب، مشتملاً على كمال الفصاحة والبلاغة، بأسلوب محكم، وبيانٍ معجز {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تفهموا أحكامه، وتتدبروا معانيه، وتعقلوا أن أسلوبه الحكيم خارج عن طوق البشر، قال البيضاوي: أقسم تعالى بالقرآن على أنه جعله قرآناً عربياً، وهو من البدائع البلاغية لتناسب القسم والمُقْسم عليه، تنبيهاً على أنه لا شيء أعلى منه فيقسم به، وهذا يدل على شرف القرآن وعزته بأبلغ وجهٍ وأدقه {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا} أي وإِنه في اللوح المحفوظ عندنا {لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} أي رفيع الشأن عظيم القدر، ذو حكمةٍ بالغةٍ ومكانةٍ فائقة، قال ابن كثير: بيَّن شرف القرآن في الملأ الأعلى، ليشرّفه ويعظّمه أهل الأرض أي وإِن القرآن في اللوح المحفوظ عندنا ذو مكانةٍ عظيمة، وشرف وفضل {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا} الاستفهام إِنكاري أي أنترك تذكيركم إعراضاً عنكم، ونعتبركم كالبهائم فلا نعظكم بالقرآن؟ {أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} أي لأجل أنكم مسرفون في التكذيب والعصيان؟ لا، بل نذكّركم ونعظكم به إلى أن ترجعوا إلى طريق الحق، قال قتادة: لو أن هذا القرآن رُفع حين ردَّه الأوائل لهلكوا، ولكنَّ الله برحمته كرَّره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة، قال ابن كثير: وقول قتادة لطيف المعنى جداً وحاصلة أنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإِن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي به من قدَّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ}؟ تسلية للنبي عليه السلام أي ما أكثر مَنْ أرسلنا مِنَ الأنبياء في الأمم الأولين؟ {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزءُون} أي ولم يكن يأتيهم نبي إلا سخروا منه واستهزؤا به، قال الصاوي: وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم والمعنى تسلَّ يا محمد ولا تحزن فإِنه وقع للرسل قبلك ما وقع لك {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا} أي فأهلكنا قوماً كانوا أشد قوة من كفار مكة وأعتى منهم وأطغى {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} أي وسبق في القرآن أحاديثُ إِهلاكهم، ليكونوا عظة وعبرة لمن بعدهم من المكذبين، قال الإِمام فخر الدين الرازي: إن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك فقد ضربنا لهم مثَلَهم.
صعب المنال
24-04-2008, 05:30 AM
عبادة المشركين غير الله
{وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ(15)أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(16)وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(17)أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ(18)وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ(19)وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(20)أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ(21)بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(22)وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23)قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(24)فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(25)}.
سبب النزول:
نزول الآية (19):
{وجعلوا الملائكة ..}: أخرج ابن المنذر عن قتادة قال: قال ناس من المنافقين: إن الله صاهر الجن، فخرجت من بينهم الملائكة، فنزل فيهم: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً...}.
نزول الآية (22):
{بل قالوا: إنّا وجدنا آباءنا ..} حكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش، أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضاً، يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم.
ولما ذكر تعالى اعتراف المشركين بأن خالق السماوات والأرض هو رب العالمين، ذكر بعده ما يدل على سفههم وجهلهم في عبادة غير الله فقال {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} أي جعل المشركون لله ولداً حيث قالوا: الملائكةُ بنات الله {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} أي إن القائل لهذا لمبالغٌ في الكفر، عظيم الجحود والطغيان، قال البيضاوي: أي ظاهر الكفران لأن نسبة الولد إليه تعالى من فرط الجهل به والتحقير لشأنه {أَمِ اتَّخَذَ ممَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} إِنكارٌ وتعجبٌ من حالهم أي هل اتخذ تعالى لنفسه البنات، وخصَّكم واختار لكم البنين؟ قال ابن كثير: وهذا إنكار عليهم غاية الإِنكار، ثم ذكر تعالى تمام الإِنكار فقال {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً} أي وإِذا بُشِّر أحد المشركين بالأنثى التي جعلها مثلاً لله بنسبة البنات له {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} أي صار وجهه كأنه أسود من الكآبة والحزن، وهو ممتلئٌ غيظاً وغماً من سوء ما بُشّر به، قال الإِمام فخر الدين الرازي: والمقصودُ من الآية التنبيهُ على قلة عقولهم وسخافة تفكيرهم، فإِن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحدِّ كيف يجوز للعاقل إثباتُه لله تعالى؟ وقد روي عن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } أي أيجعلون للهِ من يُربَّى في الزينة وينشأ ويكبر عليها وهنَّ الإِناث؟ {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي ومن هو في الجدال غيرُ مظهرٍ لحجته لضعف رأيه؟ أوَمَنْ يكونُ هكذا يُنْسب إلى جناب الله العظيم؟ قال ابن جزي: والمقصد الرد على الذين قالوا الملائكةُ بنات الله، كأنه قال: أجعلتم للهِ من ينشأ في الحلية؟ يعني يكبر وينبت في استعمالها، وذلك صفةُ النقص، ثم أتبعها بصفة نقصٍ أُخرى فقال {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبيّن حجتها لنقص عقلها، وقلّما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف يُنسب لله من يتصف بهذه النقائص؟ وقال ابن كثير: المرأة ناقصة في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشعراء:
وما الحليُ إلا زينـةٌ من نقيصـةٍ يتمِّم من حُسْنٍ إِذا الحُسْنُ قصَّرا
وأما نقصُ معناها فإِنها ضعيفةٌ عاجزةٌ عن الانتصار، كما قال بعض العرب وقد بُشِّر ببنت "ما هي بنعم الولد، نصرُها بكاءٌ، وبرُّها سرقة" {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} كفرٌ آخر تضمنه قولهم الشنيع أي واعتقد كفار العرب بأن الملائكة - الذين هم أكمل العباد وأكرمهم على الله - إناثٌ وحكموا عليهم بذلك {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } أي أحضروا وقت خلق الله لهم حتى عرفوا أنهم إناث؟ وهذا تجهيلٌ وتهكمٌ بهم {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} أي سنأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان أعمالهم ويُسألون عنها يوم القيامة، وهو وعيدٌ شديدٌ مع التهديد، قال المفسرون: حكى تعالى عن كفار العرب ثلاثة أقوال شنيعة: الأول: أنهم نسبوا إلى الله الولد، الثاني: أنهم نسبوا إليه البناتِ دون البنين، الثالث: أنهم حكموا على الملائكة المكرمين بالأنوثة بلا دليل ولا برهان، فكذَّبهم القرآن الكريم في تلك الأقوال، ثم زادوا ضلالاً وبهتاناً فزعموا أنَّ ذلك برضى الله {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} أي قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: لو شاء اللهُ ما عبدنا هؤلاء الملائكة ولا الأصنام، ولمَّا كانت عبادتنا واقعة بمشيئته فهو راضٍ بها، قال القرطبي: وهذا منهم كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، فكل شيء بإِرادة الله، والمشيئةُ غير الرضى، ولا يصح الاحتجاج بالمشيئة، فإِنهم لو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أنَّ الله أراد منهم ذلك، وقد كذبهم الله بقوله {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي ما لهم بذلك القول حجة ولا برهان {إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} أي ما هم إلا يكذبون ويتقوَّلون على الله كذباً وزوراً {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} ردٌّ آخر عليهم، أي أم أنزلنا على هؤلاء المشركين كتاباً من قبل القرآن فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟ قال الإِمام فخر الدين الرازي: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزَّل قبل القرآن حتى يعوِّلوا عليه ويتمسكوا به؟ {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} بل للإِضراب وهو الانتقال من كلام إلى آخر أي لم يأتوا بحجةٍ عقلية أو نقلية على ما زعموا بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة، قال أبو السعود: والأُمةُ: الدينُ والطريقةُ سميت أمةً لأنها تؤم وتقصد {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} أي ونحن ماشون على طريقتهم مهتدون بآثارهم {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ} أي وكما تبع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة ولا برهان كذلك فعل من قبلهم من المكذبين، فما بعثنا قبلك رسولاً في أمةٍ من الأمم {إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} أي إلا قال المتنعمون فيها الذين أبطرتهم النعمة، وأعمتهم الشهواتُ والملاهي عن تحمل المشاق في طلب الحق: إنا وجدنا أسلافنا على ملةٍ ودين، وإِنا مقتدون بهم في طريقتهم، قال البيضاوي: والآية تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودلالةٌ على أن التقليد في نحو هذا ضلالٌ قديم، وأسلافُهم لم يكن لهم سندٌ منظور يُعتَدُّ به، وإِنما خصَّص المترفين بالذكر للإِشعار بأن التنعم وحبَّ البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد الأعمى، وذكر هنا {مُقْتَدُونَ} وهناك {مُهْتَدُونَ} تفنناً لأن معناهما واحد {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ}؟ أي قال كل نبيٍّ لقومه حين أنذرهم عذاب الله: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بدينٍ أهدى وأرشد مما كانوا عليه؟ {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي قالوا إنا كافرون بكل ما أُرسلتم به من التوحيد والإِيمان والبعث والنشور {فَانتقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أي فانتقمنا من الأمم المكذبة بأنواع العذاب فانظر كيف صار حالهم ومآلهم!!
صعب المنال
24-04-2008, 05:32 AM
البراءة من عبادة الأصنام، واختيار الله للأنبياء
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27)وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28)بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ(29)وَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30)وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(31)أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمت رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَايَظْهَرُونَ(33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ(34)وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ(35)}.
سبب النزول:
نزول الآيتين (31-32):
أخرج ابن جرير عن ابن عباس "أن العرب قالوا: وإذا كان النبِّي بشراً فغير محمد كان أحق بالرِّسالة: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} يكون أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردّاً عليهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ}".
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} أي واذكر يا محمد حين قال إبراهيم الخليل لأبيه وقومه المشركين: إنني بريءٌ من هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله {إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} أي لكنْ ربي الذي خلقني وأنشأني من العدم فإِنه يرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى طريق السعادة {وَجَعَلَهَا كَلمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} أي وجعل إبراهيم هذه الكلمة - كلمة التوحيد - باقيةً في ذريته فلا يزال فيهم من يوحِّد الله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي رجاء أن يرجع إلى الإِيمان من أشرك منهم، قال مجاهد: "وجعلها كلمة" يعني "لا إله إلا الله" لا يزال في ذريته من يقولها إلى يوم الدين {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءهُمْ} أي بل متعتُ أهل مكة وآباءهم - وهم من عقب إبراهيم - بالإِمداد في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن كلمة التوحيد {حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} أي حتى جاءهم القرآن ورسولٌ ظاهر الرسالة، مؤيدٌ بالمعجزات الباهرة من عند الله، قال الإِمام فخر الدين الرازي: وجه نظم الآية أنهم لما عوَّلوا على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة، اغتروا بطول الإِمهال وإِمتاع الله إياهم بنعيم فأعرضوا عن الحق {وَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ} أي ولمَّا جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ويرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا عتواً وضلالاً فقالوا عن القرآن إنه سحر {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} أي ونحن كافرون به، لا نصدّق أنه كلام الله، قال أبو السعود: سمَّوا القرآن سحراً وكفروا به واستحقروا الرسول عليه السلام، فضمُّوا إلى كفرهم السابق معاندة الحق والاستهانة به {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أي وقال المشركون: هلاَّ أُنزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير في مكة أو الطائف!! قال المفسرون: يعنون "الوليد بن المغيرة" في مكة أو "عُروة بن مسعود الثقفي" في الطائف .. استبعدت قريش نزول القرآن على محمد وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل على أحد الرؤساء والعظماء، ظناً منهم أن العظيم هو الذي يكون له مال وجاه، وفاتهم أن العظيم هو الذي يكون عند الله تعالى عظيماً، وهم يعتبرون مقياس العظمة: الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمانٍ ومكان، أما مقياسُ العظمة الحقيقية عند الله تعالى وعند العقلاء، فإِنما هو عظمة النفس، وسُموُّ الروح، ومَنْ أعظمُ نفساً وأسمى روحاً من محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام!! ولهذا ردَّ تبارك وتعالى عليهم بقوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ}؟ أي أهم يمنحون النبوة ويخصُّون بها من شاءوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو فلانٍ الكبير من الناس؟ {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي نحن بحكمتنا جعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً، وفاوتنا بينهم في الأموال والأرزاق، وإِذا كان أمر المعيشة - وهو تافه حقير - لم نتركه لهم بل تولينا قسمته بأنفسنا، فكيف نترك أمر النبوة -وهو عظيم وخطير - لأهوائهم ومشتهياتهم!! قال ابن جزي: كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإِذا كنا لم نهمل الحظوظ الحقيرة الفانية، فأولى وأحرى ألا نُهمل الحظوظ الشريفة الباقية {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي فاضلنا بين الخلق في الرزق والعيش، وجعلناهم مراتب: هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط الحال {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} أي ليكون كلٌ منهم مسخراً للآخر، ويخدم بعضهم بعضاً، لينتظم أمر الحياة، قال الصاوي: إن القصد من جعل الناس متفاوتين في الرزق، لينتفع بعضهم ببعض، ولو كانوا سواءً في جميع الأحوال لم يخدم أحدٌ أحداً، فيفضي إلى خراب العالم وفساد نظامه، وقال أبو حيان: وقوله تعالى {سُخرياً} بضم السين من التسخير بمعنى الاستخدام، لا من السخرية بمعنى الهزء، والحكمة هي أن يرتفق بعضهم ببعضٍ، ويصلوا إلى منافعهم، ولو تولَّى كل واحدٍ جميع أشغاله بنفسه ما أطاق ذلك، وضاع وهلك، وفي قوله {نَحْنُ قَسَمْنَا} تزهيدٌ في الإِكباب على طلب الدنيا، وعونٌ على التوكل على الله، وقال قتادة: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عييَّ اللسان وهو موسَّع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان وهو مقتَّر عليه في الرزق، وقال الشافعي:
ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
{وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} أي وإِنعامه تعالى عليك بالنبوة خيرٌ مما يجمع الناسُ من حطام الدنيا الفاني، ثم بيَّن تعالى حقارة الدنيا ودناءة قدرها عند الله فقال {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ} أي ولولا أن يرغب الناسُ في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الرزق، ويصيروا أمةً واحدة في الكفر، لخصصنا هذه الدنيا بالكفار، وجعلنا لهم القصور الشاهقة المزخرفة بأنواع الزينة والنقوش، سقفها من الفضة الخالصة {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي وجعلنا لهم مصاعدَ وسلالم من فضة عليها يرتقون ويصعدون {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا} أي ولبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً من فضة، زيادةً في الرفاهية والنعيم {عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} أي على تلك الأسرَّة الفضية يتكئون ويجلسون {وَزُخْرُفًا} أي وجعلنا لهم زينةً من ستور ونمارق ونقوش، وقال ابن عباس: {وَزُخْرُفًا} ذهباً أي جعلنا لهم سقفاً وأبواباً وسرراً من فضة وذهب {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي وما كل ذلك النعيم العاجل الذي نعطيه للكفار، إلاّ شيء يُتمتع به في الحياة الدنيا الزائلة الحقيرة {وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أي والجنةُ وما فيها من أنواع الملاذ والنعم التي يقصر عنها البيان، هي خاصة بالمتقين لا يشاركهم فيها أحد، قال المفسرون: والآياتُ سِيقتْ لبيان حقارة الدنيا وقلة شأنها، وأنها من الهوان بحيث لولا الفتنة لخصَّ بها الكافرين، فجعل بيوت الكفرة ودرجها وسقوفها من ذهب وفضة، وأعطى الكافر كل ذلك النعيم في الدنيا لعدم حظه في الآخرة، ولكنه تعالى رحيم بالعباد فلذلك أغنى بعض الكفار وأفقر بعضهم، وأغنى بعض المؤمنين وأفقر بعضهم وفي الحديث (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها جرعة ماء) قال الزمخشري: فإِن قلت: فحين لم يوسّع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلاَّ وسَّع على المسلمين ليطبق الناس على الإِسلام ؟ قلتُ التوسعةُ عليهم مفسدة أيضاً لما تؤدي إليها من دخول الناس في الإِسلام لأجل الدنيا وذلك من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبَّر، حيث جعل الفريقين أغنياء وفقراء، وغلَّب الفقر على الغنى.
صعب المنال
24-04-2008, 05:33 AM
حال المعرض عن ذكر الله، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36)وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(37)حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(38)وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(40)فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ(41)أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ(42)فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(43)وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(44)وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ(45)}.
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} أي ومن يعرض ويتعام ويتغافل عن القرآن وعبادة الرحمن {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} أي نهيء ونيسّر له شيطاناً لا ينفك عن الوسوسة له والإِغواء كقوله تعالى{ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزُّهم أزّاً} {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي فهو ملازم ومصاحب له لا يفارقه {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي وإِن الشياطين ليصدون هؤلاء الكفار الضالين عن طريق الهدى {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} أي ويحسب الكفار أنهم على نور وبصيرة وهدايةٍ من أمرهم {حَتَّى إِذَا جَاءنَا} أي حتى إذا جاء الكافر مع قرينه وقد ربطا بسلسلةٍ واحدة {قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} أي قال الكافر لقرينه: يا ليت بيني وبينك مثل بعد ما بين المشرق والمغرب، قال الطبري: وهذا من باب التغليب كما يقال: القمران، والعمران، والأبوان، فغلَّب ههنا المشرق على المغرب {فَبِئْسَ الْقَرِينُ} أي فبئس الصاحب أنت، لأنك كنت سبباً في شقائي بتزيينك الباطل لي، قال أبو سعيد الخدري: إذا بُعث الكافر زُوّج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار {وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي ولن ينفعكم ويفيدكم اشتراككم في العذاب، ولن يخفف ذلك عنكم شيئاً بسبب ظلمكم، فإِن لكل واحد نصيبه الأوفر منه، قال فيالتسهيل: المراد أنه لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا إذا رأى غيره قد أصابه مثل ما أصابه لأن المصيبة إذا عمَّت هانت، فدفع تعالى ذلك التوهم بأن اشتراكهم في العذاب، لا يخفِّف عنهم البلاء {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي فأنت يا محمد تقدر أن تسمع هؤلاء الكفار الذين هم كالصُّم والعُمي، ومن كان في ضلالٍ واضح؟ ليس لك ذلك فلا يَضِقْ صدرك إن كفروا، قال المفسرون: والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يجتهد في دعائهم إلى الإِيمان، ولا يزدادون إلاَّ تعامياً عن الحق وطغياناً وضلالاً {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} أي إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم، فإِنا سننتقم منهم بعد وفاتك {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ} أي أو نرينَّك يا محمد العذاب الذي وعدناهم به في حياتك فإِنا قادرون عليهم فهم في قبضتنا لا يفوتوننا، قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر، وقال ابن كثير: المعنى لا بدَّ أن ننتقم منهم ونعاقبهم في حياتك أو بعد وفاتك، ولم يقبض الله تعالى رسوله حتى أقرَّ عينه من أعدائه، وحكَّمه في نواصيهم {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} أي فتمسكْ يا محمد بالقرآن الذي أوحيناه إليك {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي فإِنك على الحق الواضح والطريق المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} أي وإِن هذا القرآن لشرفٌ عظيم لك ولقومك من قريش، إذ أُنزل بلغتهم وعلى رجلٍ منهم وسوف تسألون عن شكر هذه النعمة، قال ابن جزي: والذكرُ هنا بمعنى الشرف، وقومُ النبي صلى الله عليه وسلم هم قريشٌ وسائر العرب، فإِنهم نالوا بالإِسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها وصارت فيهم الخلافة والملك، وهذا القرآن شرفٌ لكل من تبعه، وهذه الآية نظير قوله تعالى {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون}؟ {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا} هذا على سبيل الفرض، وفي الكلام محذوف أي إن كنت يا محمد شاكاً في أمر الوحي فسلْ من سبقك من الرسل {أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}؟ أي هل هناك أحدٌ من الرسل دعا لعبادة غير الله؟ والآية كقوله تعالى {فإِن كنتَ في شكٍ ممّا أنزلنا إلي فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قال أبو السعود: والمراد بالآية الاستشهاد بإِجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه حتى يُكذَّب ويُعادى، وقال أبو حيان: ويظهر ان الخطاب للسامع، والسؤال هنا مجاز عن النظر في أديان الأنبياء، هل جاءت عبادة الأوثان في ملةٍ من مللهم؟ وهذا كما يسائل الشعراء الديار والأطلال، ومنه قولهم: سل الأرض من شقَّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك ؟ فإِنها إن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً، وهذا كله من باب المجاز.
صعب المنال
24-04-2008, 05:34 AM
العبرة من قصة موسى عليه السلام مع فرعون
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(46)فَلَمَّا جَاءهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ(47)وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(48)وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ(49)فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ(50)وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ(51)أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ(52)فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ(53)فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54)فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ(55)فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ(56)}.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإيِهِ} أي واللهِ لقد أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرة الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه الأقباط {فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي فقال له موسى: إني رسول الله إليك، أرسلني لأدعوك وقومك إلى عبادة الله وحده {فَلَمَّا جَاءهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ} أي فلما جاءهم بتلك الآيات الباهرة الدالة على رسالته ضحكوا سخريةً واستهزاءً به، قال القرطبي: إنما ضحكوا منها ليوهموا أتباعهم أن تلك الآيات سحرٌ، وأنهم قادرون عليها، قال تعالى {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أي وما نريهم آية من ءايات العذاب كالطوفان، والجراد والقُمَّل إلا وهي في غاية الكبر والظهور، بحيث تكون أوضح من سابقتها، قال الصاوي: والمعنى إلا وهي بالغة الغاية في الإِعجاز، بحيث يظن الناظر إليها أنها أكبر من غيرها {وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي عاقبناهم بأنواع العذاب الشديد، لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والتكذيب {وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} أي وقالوا لما عاينوا العذاب يا أيها الساحرُ ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا البلاء والعذاب {بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} أي بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي لنؤمِنن بك إن كشف عنا العذاب بدعائك، قال المفسرون: ليس قولهم {يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ} على سبيل الانتقاص، وإِنما هو تعظيم في زعمهم، لأن السحر كان عِلم زمانهِم، ولم يكن مذموماً، فنادوه بذلك على سبيل التعظيم، قال ابن عباس: معناه يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيماً يوقرونه {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي فلما رفعنا عنهم العذاب بدعوة موسى، إذا هم ينقضون العهد ويصرون على الكفر والعصيان {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} أي نادى فرعون رؤساء القبط وعظماءهم، لما رأى الآيات الباهرة من موسى وخاف أن يؤمنوا {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}؟ أي قال مفتخراً متبجحاً: أليست بلادُ مصرَ الواسعة الشاسعة ملكاً لي؟ وهذه الخُلجان والأنهار المتفرعة من نهر النيل تجري من تحت قصوري؟ قال القرطبي: ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تينس وكلها من النيل، وقال قتادة: كانت جنانها وأنهارها تجري من تحت قصره {أَفَلا تُبْصِرُونَ}؟ أي أفلا تبصرون عظمتي وسعة ملكي، وقلة موسى وذلته؟ {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي بل أنا خيرٌ من هذا الضعيف الحقير الذي لا عزَّ له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام {وَلا يَكَادُ يُبِينُ} أي لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضّح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟ قال أبو السعود: قال فرعون ذلك افتراءً على موسى، وتنقيصاً له عليه السلام في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه من عُقدة، ولكنَّ الله أذهبها عنه بدعائه {واحللْ عُقدةً من لساني يفقهوا قولي} {فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ}؟ أي فهلاَّ ألقى الله إليه أسورةً من ذهب كرامةً له ودلالة على نبوَّته!! قال مجاهد: كانوا إذا أرادوا أن يجعلوا رجلاً رئيساً عليهم سوّروه بسوارين وطوقوه بطوق من ذهبٍ علامة لسيادته {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} أي أو جاءت معه الملائكةُ يكتنفونه خدمةً له وشهادة بصدقة، قال أبو حيان: لما وصف فرعون نفسه بالعزة والمُلك، ووازن بينه وبين موسى عليه السلام، ووصفه بالضعف وقلة الأعوان، اعترض فقال: إن كان صادقاً فهلاَّ ملَّكه ربُه وسوَّره وجعل الملائكة أنصاره!! {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي فاستخفَّ بعقول قومه واستجهلهم لخفة أحلامهم، فأطاعوه فيما دعاهم إليه من الضلالة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} أي إنما أجابوه لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي فلما أغضبونا وغاظونا انتقمنا منهم بأشد أنواع العقاب {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} أي فأغرقنا فرعون وقومه في البحر أجمعين فلم نبق منهم أحداً، قال المفسرون: اغتر فرعون بالعظمة والسلطان والأنهار التي تجري من تحته، فأهلكه الله بجنس ما تكبر به هو وقومه وذلك بالغرق بماء البحر، وفيه إشارة إلى أن تعزَّز بشيء أهلكه الله به {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ} أي جعلنا قوم فرعون قُدوةً لمن بعدهم من الكفار في استحقاق العذاب والدمار، ومثلاً يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك، قال مجاهد: سلفاً لكفار قريش يتقدمونهم إلى النار، وعظة وعبرةً لمن يأتي بعدهم.
صعب المنال
24-04-2008, 05:36 AM
العبرة من قصة عيسى عليه السلام
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّونَ(57)وَقَالُوا ءأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(58)إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(59)وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ(60)وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61)وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(62)وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(63)إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(64) فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ(65)هَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(66)}.
سبب النزول:
نزول الآية (57):
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً}: أخرج أحمد بسند صحيح والطبراني عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: إنه ليس أحد يعبد من دون الله، وفيه خير، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً، وقد عُبد من دون الله؟ فأنزل الله: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} الآية".
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} أي ولمَّا ذُكر عيسى بن مريم في القرآن وضُرب المثلُ بالآلهة التي عُبدت من دون الله إذا مشركو قريش يضجون وترتفع أصواتُهم بالصياح، قال المفسرون: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنكم وما تعبدون من دون اللهِ حصَبُ جهنم} قال ابن الزبعرى: أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال: قد خصمتك وربِّ الكعبة؟ أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيراً؟ وبنو فلان يعبدون الملائكة!! فإِن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، فسكت عليه الصلاة والسلام انتظاراً للوحي، فظنوا أنه أُلزم الحجة فضحك المشركون وضجوا وارتفعت أصواتهم فأنزل الله {إن الذين سبقت لهم منا الحُسْنى أولئك عنها مبعدون} قال القرطبي: ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها، لأنه تعالى قال {إنكم وما تعبدون} ولم يقل "ومنْ تعبدون" وإِنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإِن كانوا معبودين {وَقَالُوا ءآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} أي أآلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ فإِن كان عيسى في النار فلتكنْ آلهتنا معه {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً} أي ما قالوا هذا القول لك إلاَّ على وجه الجدل والمكابرة لا لطلب الحقِّ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي بل هم قوم شديدو الخصومة واللجاج بالباطل، قال ابن جزي: أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإِنسان أن يغلب من يناظره، سواء غلبه بحقٍ أو بباطل، فإِن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى {حصبُ جهنم} ولكنهم أرادوا المغالطة فوصفهم الله بأنهم قوم خَصِمون {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} أي ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه بالنبوة وشرفناه بالرسالة، وليس هو إلهاً ولا ابن إله كما زعم النصارى {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي وجعلناه آيةً وعبرةً لبني إسرائيل، يستدلون بها على قدرة الله تعالى، حيث خُلق من أمٍ بلا أب، قال الرازي: أي صيرناه عبرةً عجيبة كالمثل السائر حيث خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} أي لو أردنا لجعلنا بدلاً منكم ملائكةً يسكنون في الأرض يكونون خلفاً عنكم، قال مجاهد: ملائكة يعمرون الأرض بدلاً منكم {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} أي وإِن عيسى علامة على قرب الساعة، قال ابن عباس وقتادة: إن خروج عيسى عليه السلام من أعلام الساعة لأن الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، {فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي فلا تشكُّوا في أمر الساعة فإِنها آتية لا محالة وفي الحديث (يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً ..) الحديث {وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي وقل لهم يا محمد: اتبعوا هُداي وشرعي، فإِن هذا الذي أدعوكم إليه دينٌ قيّم وطريق مستقيم {وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي لا تغتروا بوساوس الشيطان، واحذروا أن يصدكم عن اتباع الحق، فإِنه لكم عدوٌ ظاهر العداوة، حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ} أي ولما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات قال: قد جئتكم بما تقتضيه الحكمة الإِلهية من الشرائع {وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي وجئتكم لأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمور الدين، قال ابن جزي: وإِنما قال {بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} دون الكل، لأن الأنبياء إِنما يبيّنون أمور الدين لا أمور الدنيا، وقال الطبري: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي فاتقوا اللهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوا أمري فيما أبلغه إليكم من التكاليف {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} أي إن الله جل وعلا هو الربُ المعبود لا ربَّ سواه فأخلصوا له الطاعة والعبادة، قال ابن كثير: أي أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي هذا التوحيد والتعبد بالشرائع، طريق مستقيم موصلٌ إلى جنات النعيم.
{فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} أي اختلفت فرق النصارى في شأن عيسى وصاروا شيعاً وأحزاباً فيه، قال ابن كثير: صاروا شيعاً فيه، منهم من يُقرُّ بأنه عبدُ الله ورسولُه - وهو الحقُّ -، ومنهم من يدّعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} أي فهلاكٌ ودمارٌ لهؤلاء الكفرة الظالمين من عذاب يومٍ مؤلم وهو يوم القيامة {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أي هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا إتيانَ الساعة ومجيئها فجأةً {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي وهم غافلون عنها مشتغلون بأمور الدنيا، وحينئذٍ يندمون حيث لا ينفعهم الندم.
صعب المنال
24-04-2008, 05:38 AM
نِعَمُ الله على المؤمنين يوم القيامة
{الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ(67)يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ(68)الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ(69)ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ(70)يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(71)وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(72)لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ(73)}.
سبب النزول:
نزول الآية (67):
{الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ..}: حكى النقَّاش أن هذه الآية نزلت في أُمَيَّة بن خَلَف الجُمَحي وعُقْبة بن أبي مُعَيْط، كانا خليلين، وكان عقبة يجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً، ولم تَتْفُلْ في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله، فقتله يوم بدر صَبْراً، وقُتل أمية في المعركة، وفيهم نزلت هذه الآية.
ثم ذكر تعالى أحوال القيامة فقال {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ} أي الأصدقاء والأحباب يوم القيامة يصبحون أعداء إلاَّ من كانت صداقته ومحبته لله، قال ابن كثير: كلُّ خلةٍ وصداقة لغير الله، فإِنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل فإِنه دائم بدوامه، قال ابن عباس: صارت كل خلةٍ عداوةً يوم القيامة إلا المتقين تشريفاً وتطييباً لقلوبهم فيقول: {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} يا عباد المؤمنين الذين تحققتم في العبودية لرب العالمين، لا خوفٌ عليكم في هذا اليوم العصيب، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من الدنيا، ثم وضَّحهم بقوله {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} أي هم الذين صدَّقوا بالقرآن، واستسلموا لحكم الله وأمره، وانقادوا لطاعته {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تحْبَرُونَ} أي يقال لهم: أدخلوا الجنة أنتم ونساؤكم المؤمنات، تُنعَّمون فيها وتُسرُّون سروراً يظهر أثره على وجوهكم {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} أي يُطاف على أهل الجنة بأوانٍ من الذهب فيها الطعام، وأقداحٍ من ذهب فيها الشراب، قال المفسرون: آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها الطعام، والكئوس التي يشربون فيها الشراب كلُّها من ذهب وفضة كما قال تعالى {ويُطاف عليهم بآنيةٍ من فضة وأكوابٍ كانت قوارير} وفي الحديث (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحفائها، فإِنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} أي وفي الجنة كل ما تشتهيه النفوس من أنواع اللذائذ والمشتهيات، وتُسرُّ به الأعين من فنون المناظر الجميلة، والمشاهد اللطيفة {وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي وأنتم في الجنة باقون دائمون، لا تخرجون منها أبداً، قال أبو السعود: وهذا إِتمامٌ للنعمة وإِكمال للسرور، فإِنَّ كل نعيمٍ زائلٍ موجبٌ لخوف الزوال .. لمَّا ذكر الجنة وأنها موضع الحبور، ذكر ما فيها من النعم، فذكر أولاً المطاعم، ثم ذكر المشارب، ثم بعد ذلك التفصيل ذكر بياناً كلياً بقوله {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} ثم ذكر تمام النعمة بالخلود في دار النعيم، وهذا حصرٌ لأنواع النعم، لأنها إمّا مشتهاة في القلوب، أو مستلذةٌ في العيون {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي وتلك الجنة الموصوفة بتلك الأوصاف الجليلة أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة التي قدمتموها في الدنيا، قال ابن كثير: أي أعمالكم الصالحة كانت سبباً لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحد الجنة بعمله، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات وفي الحديث (ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، الكافر يرث المؤمن في النار، والمؤمن يرث الكافر منزلة في الجنة، وذلك قوله تعالى {لَكمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي لكم في الجنة من أنواع الفواكه والثمار الشيء الكثير - سوى الطعام والشراب - من هذه الفواكه تأكلون تفكهاً وتلذذاً، قال المفسرون: يأكل أهل الجنة من بعض الثمار، وأما الباقي فعلى الأشجار على الدوام، لا ترى فيها شجرةٌ تخلو عن ثمرها لحظة، فهي مزينةٌ بالثمار أبداً، لأن كل ما يؤكل يخلف بدله وفي الحديث (لا ينزع رجلٌ في الجنة من ثمرها إلا نبت مثلاها مكانها).
صعب المنال
24-04-2008, 05:39 AM
حال الأشقياء الفجار يوم القيامة
{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ(75)وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ(76)وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(78)أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ(79)أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ(80)}.[/size]
[size=6]سبب النزول:
نزول الآية (79):
{أَمْ أَبْرَمُوا..} قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به - بالنبي صلى الله عليه وسلم - في دار الندوة.
نزول الآية (80):
{أَمْ يَحْسَبُونَ..}: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟ فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فأنزلت: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ..} الآية.
ولما ذكر حال السعداء الأبرار أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار فقال {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} أي إن الكافرين الراسخين في الإِجرام في العذاب الشديد في جهنم دائمون فيها أبداً، قال الصاوي: والمراد بالمجرمين الكفار لأنهم ذكروا في مقابلة المؤمنين {لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخفَّف عنهم العذاب لحظة {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي وهم في ذلك العذاب يائسون من كل خير {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} أي وما ظلمناهم بعقابنا لهم، ولكنْ كانوا هم الظالمين لتعريضهم أنفسهم للعذاب الخالد {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي ونادى الكفار مالكاً خازن النار قائلين: ليمتْنا اللهُ حتى نستريح من العذاب، قال ابن كثير: أي ليقبضْ أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، قال ابن عباس: فلم يجبهم إلا بعد ألف سنة {قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} أي أجابهم إنكم مقيمون في العذاب أبداً، لا خلاص لكم منه بموتٍ ولا بغيره {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} خطاب توبيخ وتقريع أي لقد جئناكم أيها الكفار بالحق الساطع المبين، ولكنكم كنتم كارهين لدين الله مشمئزين منه لكونه مخالفاً لأهوائكم وشهواتكم، قال الرازي: هذا كالعلة لما ذُكر والمرادُ نفرتهم عن محمد وعن القرآن، وشدة بُغْضهم لقبول الدين الحق {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} الكلام عن كفار قريش أي أم أحكم هؤلاء المشركون أمراً في كيد محمد صلى الله عليه وسلم فإِنا محكمون أمرنا في نصرته وحمايته، وإِهلاكهم وتدميرهم، قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} أي أم يظنون أنَّا لا نسمع ما حدَّثوا به أنفسهم، وما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي، قال ابن جزي: السرُّ ما يحدث به الإِنسان نفسه أو غيره في خفية، والنجوى ما تكلموا به بينهم {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} أي بلى إنا نسمع سرَّهم وعلانيتهم، وملائكتنا الحفظة يكتبون عليهم أعماله، روي أنها نزلت في "الأخنس بن شُريق" و"الأسود بن عبد يغوث" اجتمعا فقال الأخنس: أترى الله يسمع سرَّنا!! فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا.
صعب المنال
24-04-2008, 05:40 AM
تنزيه الله تعالى عن الولد والشريك
[قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ(81)سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(82)فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(85)وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(86)وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ(87)وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ(88)فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(89)}.
{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو فُرض أنَّ لله ولداً لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد، ولكنه جل وعلا منزَّه عن الزوجة والولد، قال القرطبي: وهذا كما تقول لمن تناظره: إن ثبتَ ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغةٌ في الاستبعاد، وترقيقٌ في الكلام، وقال الطبري: هو ملاطفةٌ في الخطاب، وقال البيضاوي: ولا يلزم من هذا الكلام صحة وجود الولد وعبادته له، بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه، وإِنكاره للولد ليس للعناد والمراء، بل لو كان أولى الناس بالاعتراف به، فإِن النبي يكون أعلم بالله وبما يصح له وما لا يصح {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تنزَّه وتقدَّس اللهُ العظيمُ الجليل، ربُّ السماواتِ والأرضِ، وربُّ العرشِ العظيم، عمَّا يصفه به الكافرون من نسبة الولد إليه {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} أي اترك كفار مكة في جهلهم وضلالهم، يخوضوا في باطلهم ويلعبوا بدنياهم {حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} أي إلى ذلك اليوم الرهيب الذي وُعدوه - وهو يوم القيامة - فسوف يعلمون حينئذٍ كيف يكون حالهم ومصيرهم ومآلهم {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} أي هو جل وعلا معبودٌ في السماء ومعبود في الأرض، لأنه هو الإِله الحق، المستحق للعبادة في السماء والأرض، قال ابن جزي: أي هو الإِله لأهل الأرض وأهل السماء، وقال ابن كثير: أي هو إله من في السَّماء وإلهُ من في الأرض، يعبده أهلهما وكلُّهم خاضعون له أذلاء بين يديه {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} أي هو الحكيم في تدبير خلقه، العليمُ بمصالحهم، وهذا كالدليل على وحدانيته تعالى {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي تمجَّد وتعظَّم الله الذي له مُلك السماواتِ والأرض وما بينهما من المخلوقات، من الإِنس والجن والملائكة، فهو الخالق والمالك والمتصرف في الكائنات بلا ممانعةٍ ولا مدافعة {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي وعنده وحده علم زمان قيام الساعة {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي وإليه لا إلى غيره مرجع الخلائق للجزاء، فيجازي كلاً بعمله {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} أي ولا يملك أحدٌ ممن يعبدونهم من دون الله أن يشفع عند الله لأحد، لأنه لا شفاعة إلا بإِذنه {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} أي إلا لمن شهد بالحق، وآمن عن علم وبصيرة، فإِنه تنفع شفاعته عند الله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي وهم يعلمون أن الشفاعة لا تكون إلا بإِذنه، قال المفسرون: والمرادُ بـ {مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} عيسى وعزير والملائكة، فإِنهم يشهدون بالحق والوحدانية للهِ، فهؤلاء تنفع شفاعتهم للمؤمنين وإِن كانوا قد عُبدوا من دون الله {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} أي ولئن سألت يا محمد كفار مكة من الذي خلقهم وأوجدهم؟ ليقولُنَّ اللهُ خلقنا، فهم يعترفون بأنه الخالق ثم يعبدون غيره ممن لا يقدر على شيء {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي فكيف ينصرفون عن عبادة الرحمن إلى عبادة الأوثان؟ فهم في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقول {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ} أي وقول محمد في شكواه لربه يا ربِّ إن هؤلاء قوم معاندون جبارون لا يصدقون برسالتي ولا بالقرآن، قال قتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ } أي فأعرض عنهم يا محمد وسامحهم ولا تقابلهم بمثل ما يقابلونك به، قال الصاوي: وهو تباعدٌ وتبرؤٌ منهم، وليس في الآية مشروعية السلام على الكفار، وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أُمر بقتالهم، فصار الصفح منسوخاً بالسيف {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي فسوف يعلمون عاقبة إجرامهم وتكذيبهم، وهو وعيدٌ وتهديد للمشركين، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
عاطف ابو احمد
27-04-2008, 11:51 PM
تفسير سورة الدخـــــان
حم
سُورَة الدُّخَان : قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع حَدَّثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب عَنْ عَمْرو بْن أَبِي خَثْعَم عَنْ يَحْيَى بْن أَبَى كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَان فِي لَيْلَة أَصْبَحَ يَسْتَغْفِر لَهُ سَبْعُونَ أَلْف مَلَك " ثُمَّ قَالَ غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَعَمْرو بْن أَبِي خَثْعَم يُضَعَّف قَالَ الْبُخَارِيّ مُنْكَر الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْكُوفِيّ حَدَّثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب عَنْ هِشَام أَبِي الْمِقْدَام عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَان فِي لَيْلَة الْجُمُعَة غُفِرَ لَهُ " ثُمَّ قَالَ غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَهِشَام أَبُو الْمِقْدَام يُضَعَّف وَالْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَذَا قَالَ أَيُّوب وَيُونُس بْن عُبَيْد وَعَلِيّ بْن زَيْد رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ : وَفِي مُسْنَد الْبَزَّار مِنْ رِوَايَة أَبِي الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَة عَنْ زَيْد بْن حَارِثَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنِ صَيَّاد " إِنِّي قَدْ خَبَّأْت خَبِيئًا فَمَا هُوَ " وَخَبَّأَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة الدُّخَان فَقَالَ هُوَ الدُّخّ فَقَالَ " اِخْسَأْ مَا شَاءَ اللَّه " ثُمَّ اِنْصَرَفَ . بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْقُرْآن الْعَظِيم .
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْقُرْآن الْعَظِيم .
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقَدْر وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْر رَمَضَان كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن " وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ فِي سُورَة الْبَقَرَة بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان كَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَة فَإِنَّ نَصَّ الْقُرْآن أَنَّهَا فِي رَمَضَان. وَالْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن الْمُغِيرَة بْن الْأَخْنَس قَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " تُقْطَع الْآجَال مِنْ شَعْبَان إِلَى شَعْبَان حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لَيَنْكِحُ وَيُولَد لَهُ وَقَدْ أُخْرِجَ اِسْمه فِي الْمَوْتَى " فَهُوَ حَدِيث مُرْسَل وَمِثْله لَا يُعَارَض بِهِ النُّصُوص . وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ " أَيْ مُعَلِّمِينَ النَّاس مَا يَنْفَعهُمْ وَيَضُرّهُمْ شَرْعًا لِتَقُومَ حُجَّة اللَّه عَلَى عِبَاده
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم " أَيْ فِي لَيْلَة الْقَدْر يُفْصَل مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى الْكَتَبَة أَمْر السُّنَّة وَمَا يَكُون فِيهَا مِنْ الْآجَال وَالْأَرْزَاق وَمَا يَكُون فِيهَا إِلَى آخِرهَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر وَمُجَاهِد وَأَبِي مَالِك وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف . وَقَوْله جَلَّ وَعَلَا " حَكِيم " أَيْ مُحْكَم لَا يُبَدَّل وَلَا يُغَيَّر .
أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
" أَمْرًا مِنْ عِنْدنَا " أَيْ جَمِيع مَا يَكُون وَيُقَدِّرهُ اللَّه تَعَالَى وَمَا يُوحِيه فَبِأَمْرِهِ وَإِذْنه وَعِلْمه " إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ" أَيْ إِلَى النَّاس رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَات اللَّه مُبَيِّنَات فَإِنَّ الْحَاجَة كَانَتْ مَاسَّة إِلَيْهِ .
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أَيْ الَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآن هُوَ رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض .
رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا وَخَالِقهمَا وَمَالِكهمَا وَمَا فِيهِمَا
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أَيْ إِنْ كُنْتُمْ مُتَحَقِّقِينَ.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
قَالَ تَعَالَى " لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت رَبّكُمْ وَرَبّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ " وَهَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى
" قُلْ يَا أَيّهَا النَّاس إِنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض
لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت " الْآيَة
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
يَقُول تَعَالَى بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ أَيْ قَدْ جَاءَهُمْ
الْحَقّ الْيَقِين وَهُمْ يَشُكُّونَ فِيهِ وَيَمْتَرُونَ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِهِ .
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
" فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين " قَالَ سُلَيْمَان بْن مِهْرَان الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِم بْن صُبَيْح عَنْ مَسْرُوق قَالَ دَخَلْنَا الْمَسْجِد يَعْنِي مَسْجِد الْكُوفَة عِنْد أَبْوَاب كِنْدَة فَإِذَا رَجُل يَقُصّ عَلَى أَصْحَابه " يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين " تَدْرُونَ مَا ذَلِكَ الدُّخَان ؟ ذَلِكَ دُخَان يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة فَيَأْخُذ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارهمْ وَيَأْخُذ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ شِبْه الزُّكَام قَالَ فَأَتَيْنَا اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ مُضْطَجِعًا فَفَزِعَ فَقَعَدَ وَقَالَ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قُلْ مَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ " إِنَّ مِنْ الْعِلْم أَنْ يَقُول الرَّجُل لِمَا لَا يَعْلَم اللَّه أَعْلَم سَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَأَتْ عَنْ الْإِسْلَام وَاسْتَعْصَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُف فَأَصَابَهُمْ مِنْ الْجَهْد وَالْجُوع حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَام وَالْمَيْتَة وَجَعَلُوا يَرْفَعُونَ أَبْصَارهمْ إِلَى السَّمَاء فَلَا يَرَوْنَ إِلَّا الدُّخَان وَفِي رِوَايَة فَجَعَلَ الرَّجُل يَنْظُر إِلَى السَّمَاء فَيَرَى مَا بَيْنه وَبَيْنهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَان مِنْ الْجَهْد قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم " فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ اللَّه لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ فَاسْتَسْقَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فَسُقُوا فَنَزَلَتْ " إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَاب قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ " قَالَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَيُكْشَف عَنْهُمْ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة فَلَمَّا أَصَابَهُمْ الرَّفَاهِيَة عَادُوا إِلَى حَالهمْ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ" قَالَ يَعْنِي يَوْم بَدْر قَالَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَدْ مَضَى خَمْسَة : الدُّخَان وَالرُّوم وَالْقَمَر وَالْبَطْشَة وَاللِّزَام وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا وَعِنْد اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة عَنْ الْأَعْمَش بِهِ وَقَدْ وَافَقَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى تَفْسِير الْآيَة بِهَذَا وَأَنَّ الدُّخَان مَضَى جَمَاعَة مِنْ السَّلَف : كَمُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَة وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن جَرِير وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُسَافِر حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَسَّان حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ" يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين " قَالَ كَانَ يَوْم فَتْح مَكَّة وَهَذَا الْقَوْل غَرِيب جِدًّا بَلْ مُنْكَر وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يَمْضِ الدُّخَان بَعْد بَلْ هُوَ مِنْ أَمَارَات السَّاعَة كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَرِيحَة حُذَيْفَة بْن أُسَيْد الْغِفَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غُرْفَة وَنَحْنُ نَتَذَاكَر السَّاعَة فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَرَوْا عَشْر آيَات : طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدُّخَان وَالدَّابَّة وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَخُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَالدَّجَّال وَثَلَاثَة خُسُوف : خَسْف بِالْمَشْرِقِ وَخَسْف بِالْمَغْرِبِ وَخَسْف بِجَزِيرَةِ الْعَرَب وَنَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تَسُوق النَّاس - أَوْ تَحْشِر النَّاس - تَبِيت مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا " تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنِ صَيَّاد " إِنَى خَبَّأْت لَك خَبِيئًا " قَالَ هُوَ الدُّخّ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ " اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرك " قَالَ وَخَبَّأَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين " وَهَذَا فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ مِنْ الْمُنْتَظَر الْمُرْتَقَب وَابْن صَيَّاد كَاشِف عَلَى طَرِيقَة الْكُهَّان بِلِسَانِ الْجَانّ وَهُمْ يُقَرِّظُونَ الْعِبَارَة وَلِهَذَا قَالَ هُوَ الدُّخّ يَعْنِي الدُّخَان فَعِنْدهَا عَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّته وَأَنَّهَا شَيْطَانِيَّة فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرك " ثُمَّ قَالَ اِبْن جَرِير وَحَدَّثَنِي عِصَام بْن رَوَّاد بْن الْجَرَّاح حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن أَبِي سَعِيد الثَّوْرِيّ حَدَّثَنَا مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر عَنْ رِبْعِيّ بْن حِرَاش قَالَ سَمِعْت حُذَيْفَة بْن الْيَمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ أَوَّل الْآيَات الدَّجَّال وَنُزُول عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَنَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن أَبْيَن تَسُوق النَّاس إِلَى الْمَحْشَر تَقِيل مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا وَالدُّخَان - قَالَ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَا رَسُول اللَّه وَمَا الدُّخَان ؟ فَتَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة " فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم " - يَمْلَأ مَا بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب يَمْكُث أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة وَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيُصِيبهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكْمَة وَأَمَّا الْكَافِر فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَان يَخْرُج مِنْ مَنْخِرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُره" قَالَ اِبْن جَرِير لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيث لَكَانَ فَاصِلًا وَإِنَّمَا لَمْ أَشْهَد لَهُ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّ مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ حَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ رَوَّادًا عَنْ هَذَا الْحَدِيث هَلْ سَمِعَهُ مِنْ سُفْيَان ؟ فَقَالَ لَهُ لَا قَالَ أَقْرَأْته عَلَيْهِ ؟ قَالَ لَا قَالَ : فَقُلْت لَهُ أَقُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنْتَ حَاضِر فَأَقَرَّ بِهِ فَقَالَ لَا فَقُلْت لَهُ فَمِنْ أَيْنَ جِئْت بِهِ فَقَالَ جَاءَنِي بِهِ قَوْم فَعَرَضُوهُ عَلَيَّ وَقَالُوا لِي سَمِعَهُ مِنَّا فَقَرَءُوهُ عَلَيَّ ثُمَّ ذَهَبُوا فَحَدَّثُوا بِهِ عَنِّي أَوْ كَمَا قَالَ وَقَدْ أَجَادَ اِبْن جَرِير فِي هَذَا الْحَدِيث هَهُنَا فَإِنَّهُ مَوْضُوع بِهَذَا السَّنَد وَقَدْ أَكْثَرَ اِبْن جَرِير مِنْ سِيَاقه فِي أَمَاكِن مِنْ هَذَا التَّفْسِير وَفِيهِ مُنْكَرَات كَثِيرَة جِدًّا وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَّل سُورَة بَنِي إِسْرَائِيل فِي ذِكْر الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَوْف حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْن زُرْعَة عَنْ شُرَيْح بْن عُبَيْد عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ رَبّكُمْ أَنْذَرَكُمْ ثَلَاثًا الدُّخَان يَأْخُذ الْمُؤْمِن كَالزُّكْمَةِ وَيَأْخُذ الْكَافِر فَيَنْتَفِخ حَتَّى يَخْرُج مِنْ كُلّ مِسْمَع مِنْهُ وَالثَّانِيَة الدَّابَّة وَالثَّالِثَة الدَّجَّال " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْ هَاشِم بْن يَزِيد عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش بِهِ وَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا صَفْوَان حَدَّثَنَا الْوَلِيد حَدَّثَنَا خَلِيل عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَهِيج الدُّخَان بِالنَّاسِ فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيَأْخُذهُ كَالزُّكْمَةِ وَأَمَّا الْكَافِر فَيَنْفُخهُ حَتَّى يَخْرُج مِنْ كُلّ مِسْمَع مِنْهُ " وَرَوَاهُ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَوْقُوفًا وَرَوَى سَعِيد بْن عَوْف عَنْ الْحَسَن مِثْله . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح بْن مُسْلِم حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَمْ تَمْضِ آيَة الدُّخَان بَعْد يَأْخُذ الْمُؤْمِن كَهَيْئَةِ الزُّكَام وَتَنْفُخ الْكَافِر حَتَّى يَنْفُذ . وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث الْوَلِيد بْن جُمَيْعٍ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن الْمُغِيرَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن السُّلَيْمَانِيّ عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : يَخْرُج الدُّخَان فَيَأْخُذ الْمُؤْمِن كَهَيْئَةِ الزُّكَام وَيَدْخُل مَسَامِع الْكَافِر وَالْمُنَافِق حَتَّى يَكُون كَالرَّأْسِ الْحَنِيذ أَيْ الْمَشْوِيّ عَلَى الرَّضْف ثُمَّ قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يَعْقُوب حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ غَدَوْت عَلَى اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ذَات يَوْم فَقَالَ مَا نِمْت اللَّيْلَة حَتَّى أَصْبَحْت قُلْت لِمَ ؟ قَالَ : قَالُوا طَلَعَ الْكَوْكَب ذُو الذَّنَب فَخَشِيت أَنْ يَكُون الدُّخَان قَدْ طَرَقَ فَمَا نِمْت حَتَّى أَصْبَحْت وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَذَكَرَهُ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح إِلَى اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا حَبْر الْأُمَّة وَتُرْجُمَان الْقُرْآن وَهَكَذَا قَوْل مَنْ وَافَقَهُ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مَعَ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة مِنْ الصِّحَاح وَالْحِسَان وَغَيْرهمَا الَّتِي أَوْرَدُوهَا مِمَّا فِيهِ مَقْنَع وَدَلَالَة ظَاهِرَة عَلَى أَنَّ الدُّخَان مِنْ الْآيَات الْمُنْتَظَرَة مَعَ أَنَّهُ ظَاهِر الْقُرْآن قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى " فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين " أَيْ بَيِّن وَاضِح يَرَاهُ كُلّ أَحَد وَعَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ خَيَال رَأَوْهُ فِي أَعْيُنهمْ مِنْ شِدَّة الْجُوع وَالْجَهْد .
يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
قَوْله تَعَالَى " يَغْشَى النَّاس " أَيْ يَتَغَشَّاهُمْ وَيُعْمِيهِمْ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا خَيَالِيًّا يَخُصّ
أَهْل مَكَّة الْمُشْرِكِينَ لَمَا قِيلَ فِيهِ " يَغْشَى النَّاس" .
وَقَوْله تَعَالَى " هَذَا عَذَاب أَلِيم " أَيْ يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ
" يَوْم يُدَعُّونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعًّا هَذِهِ النَّار الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ"
أَوْ يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ذَلِكَ .
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى " رَبّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤْمِنُونَ" أَيْ يَقُول الْكَافِرُونَ إِذَا عَايَنُوا عَذَاب اللَّه وَعِقَابه سَائِلِينَ رَفْعه وَكَشْفه عَنْهُمْ كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَته " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدّ وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ" وَكَذَا قَوْله جَلَّ وَعَلَا " وَأَنْذِرْ النَّاس يَوْم يَأْتِيهِمْ الْعَذَاب فَيَقُول الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتك وَنَتَّبِع الرُّسُل أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْل مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال " .
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ
قَالَ جَلَّ وَعَلَا هَهُنَا " أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُول مُبِين " يَقُول كَيْف لَهُمْ بِالتَّذَكُّرِ
وَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رَسُولًا بَيَّنَ الرِّسَالَة وَالنِّذَارَة .
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
" ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّم مَجْنُون " وَمَعَ هَذَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَمَا وَافَقُوهُ بَلْ كَذَّبُوهُ
وَقَالُوا مُعَلَّم مَجْنُون وَهَذَا كَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَته
" يَوْم يَتَذَكَّر الْإِنْسَان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى " الْآيَة وَكَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ
" وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْت وَأُخِذُوا مِنْ مَكَان قَرِيب وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ
وَأَنَّى لَهُمْ التَّنَاوُش مِنْ مَكَان بَعِيد " إِلَى آخِر السُّورَة .
إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ
قَوْله تَعَالَى " إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ" يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ " أَحَدهمَا " أَنَّهُ يَقُول تَعَالَى وَلَوْ كَشَفْنَا عَنْكُمْ الْعَذَاب وَرَجَعْنَاكُمْ إِلَى الدَّار الدُّنْيَا لَعُدْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْر وَالتَّكْذِيب كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَوْ رَحْمَنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ " وَكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَته " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " " وَالثَّانِي " أَنْ يَكُون الْمُرَاد إِنَّا مُؤَخِّرُو الْعَذَاب عَنْكُمْ قَلِيلًا بَعْد اِنْعِقَاد أَسْبَابه وَوُصُوله إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مُسْتَمِرُّونَ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الطُّغْيَان وَالضَّلَال وَلَا يَلْزَم مِنْ الْكَشْف عَنْهُمْ أَنْ يَكُون بَاشَرَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين " وَلَمْ يَكُنْ الْعَذَاب بَاشَرَهُمْ وَاتَّصَلَ بِهِمْ بَلْ كَانَ قَدْ اِنْعَقَدَ سَبَبه عَلَيْهِمْ وَلَا يَلْزَم أَيْضًا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَقْلَعُوا عَنْ كُفْرهمْ ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ حِين قَالُوا لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْب وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَك مِنْ قَرْيَتنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدْ اِفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ بَعْد إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْهَا وَشُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلَى مِلَّتهمْ وَطَرِيقَتهمْ وَقَالَ قَتَادَة إِنَّكُمْ عَائِدُونَ إِلَى عَذَاب اللَّه .
عاطف ابو احمد
28-04-2008, 12:11 AM
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
فَسَّرَ ذَلِكَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِيَوْمِ بَدْر وَهَذَا قَوْل جَمَاعَة مِمَّنْ وَافَقَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى تَفْسِيره الدُّخَان بِمَا تَقَدَّمَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا مِنْ رِوَايَة الْعَوْفِيّ عَنْهُ وَعَنْ أُبَيّ بْن كَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ مُحْتَمَل وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ كَانَ يَوْم بَدْر يَوْم بَطْشَة أَيْضًا قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يَعْقُوب حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة حَدَّثَنَا خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْبَطْشَة الْكُبْرَى يَوْم بَدْر وَأَنَا أَقُول هِيَ يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَنْهُ وَبِهِ يَقُول الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة فِي أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم.
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
يَقُول تَعَالَى وَلَقَدْ اِخْتَبَرْنَا قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَوْم فِرْعَوْن وَهُمْ قِبْط مِصْر " وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم " يَعْنِي مُوسَى كَلِيمه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام .
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
" أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه " كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيل وَلَا تُعَذِّبهُمْ قَدْ جِئْنَاك بِآيَةٍ مِنْ رَبّك وَالسَّلَام عَلَى مَنْ اِتَّبَعَ الْهُدَى " وَقَوْله جَلَّ وَعَلَا " إِنِّي لَكُمْ رَسُول أَمِين " أَيْ مَأْمُون عَلَى مَا أُبَلِّغكُمُوهُ .
وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ
قَوْله تَعَالَى " وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه " أَيْ لَا تَسْتَكْبِرُوا عَنْ اِتِّبَاع آيَاته وَالِانْقِيَاد لِحُجَجِهِ وَالْإِيمَان بِبَرَاهِينِهِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ " " إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِين " أَيْ بِحُجَّةٍ ظَاهِرَة وَاضِحَة وَهِيَ مَا أَرْسَلَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ مِنْ الْآيَات الْبَيِّنَات وَالْأَدِلَّة الْقَاطِعَات.
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَأَبُو صَالِح هُوَ الرَّجْم بِاللِّسَانِ وَهُوَ الشَّتْم وَقَالَ قَتَادَة الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ أَيْ أَعُوذ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكُمْ مِنْ أَنْ تَصِلُوا إِلَيَّ بِسُوءٍ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل .
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ
أَيْ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لِي وَدَعُوا الْأَمْر بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مُسَالَمَة إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّه بَيْننَا فَلَمَّا طَالَ مَقَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَظْهُرهمْ وَأَقَامَ حُجَج اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ كُلّ ذَلِكَ وَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا دَعَا رَبّه عَلَيْهِمْ دَعْوَة نَفَذَتْ فِيهِمْ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَقَالَ مُوسَى رَبّنَا إِنَّك آتَيْت فِرْعَوْن وَمَلَأَهُ زِينَة وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا رَبّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلك رَبّنَا اِطْمِسْ عَلَى أَمْوَالهمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبهمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَاب الْأَلِيم قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتكُمَا فَاسْتَقِيمَا " .
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
هَكَذَا قَالَ هَهُنَا " فَدَعَا رَبّه أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْم مُجْرِمُونَ " فَعِنْد ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَخْرُج بِبَنِي إِسْرَائِيل مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ مِنْ غَيْر أَمْر فِرْعَوْن وَمُشَاوَرَته وَاسْتِئْذَانه وَلِهَذَا قَالَ جَلَّ جَلَاله .
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا
فِي الْبَحْر يَبَسًا لَا تَخَاف دَرَكًا وَلَا تَخْشَى
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمَّا جَاوَزَ هُوَ وَبَنُو إِسْرَائِيل الْبَحْر أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبهُ بِعَصَاهُ حَتَّى يَعُود كَمَا كَانَ لِيَصِيرَ حَائِلًا بَيْنهمْ وَبَيْن فِرْعَوْن فَلَا يَصِل إِلَيْهِمْ فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَتْرُكهُ عَلَى حَاله سَاكِنًا وَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَخَاف دَرَكًا وَلَا يَخْشَى قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَاتْرُكْ الْبَحْر رَهْوًا كَهَيْئِهِ وَامْضِهِ وَقَالَ مُجَاهِد رَهْوًا طَرِيقًا يَبَسًا كَهَيْئِهِ يَقُول لَا تَأْمُرهُ يَرْجِع اُتْرُكْهُ حَتَّى يَرْجِع آخِرهمْ وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَابْن زَيْد وَكَعْب الْأَحْبَار وَسِمَاك بْن حَرْب وَغَيْر وَاحِد .
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
وَهِيَ الْبَسَاتِين " وَعُيُون وَزُرُوع " وَالْمُرَاد بِهَا الْأَنْهَار وَالْآبَار .
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
" وَمَقَام كَرِيم " وَهِيَ الْمَسَاكِن الْأَنِيقَة وَالْأَمَاكِن الْحَسَنَة . وَقَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر " وَمَقَام كَرِيم " الْمَنَابِر وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة عَنْ وَهْب بْن عَبْد اللَّه الْمَعَافِرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نِيل مِصْر سَيِّد الْأَنْهَار سَخَّرَ اللَّه تَعَالَى لَهُ كُلّ نَهَر بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَذَلَّلَهُ لَهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجْرِي نِيل مِصْر أَمَرَ كُلّ نَهَر أَنْ يَمُدّهُ فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَار بِمَائِهَا وَفَجَّرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ الْأَرْض عُيُونًا فَإِذَا اِنْتَهَى جَرْيه إِلَى مَا أَرَادَ اللَّه جَلَّ وَعَلَا أَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى كُلّ مَاء أَنْ يَرْجِع إِلَى عُنْصُره وَقَالَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم وَنِعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ " قَالَ كَانَتْ الْجِنَان بِحَافَّتَيْ نَهَر النِّيل مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره فِي الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا مَا بَيْن أَسْوَان إِلَى رَشِيد وَكَانَ لَهُ تِسْع خَلِيج : خَلِيج الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَخَلِيج دِمْيَاط وَخَلِيج سَرْدُوس وَخَلِيج مَنْف وَخَلِيج الْفَيُّوم وَخَلِيج الْمُنْتَهَى مُتَّصِلَة لَا يَنْقَطِع مِنْهَا شَيْء عَنْ شَيْء وَزَرْع مَا بَيْن الْجَبَلَيْنِ كُلّه مِنْ أَوَّل مِصْر إِلَى آخِر مَا يَبْلُغهُ الْمَاء وَكَانَتْ جَمِيع أَرْض مِصْر تُرْوَى مِنْ سِتَّة عَشَرَ ذِرَاعًا لَمَّا قَدَرُوا وَدَبَّرُوا مِنْ قَنَاطِرهَا وَجُسُورهَا وَخُلُجهَا .
وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ
" وَنِعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ " أَيْ عِيشَة كَانُوا يَتَفَكَّهُونَ فِيهَا فَيَأْكُلُونَ مَا شَاءُوا وَيَلْبَسُونَ مَا أَحَبُّوا مَعَ الْأَمْوَال أَوْ الْجَاهَات وَالْحُكْم فِي الْبِلَاد فَسُلِبُوا ذَلِكَ جَمِيعه فِي صَبِيحَة وَاحِدَة وَفَارَقُوا الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَاد الْمِصْرِيَّة وَتِلْك الْحَوَاصِل الْفِرْعَوْنِيَّة وَالْمَمَالِك الْقِبْطِيَّة بَنُو إِسْرَائِيل كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيل " وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَع فِرْعَوْن وَقَوْمه وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ " .
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَهُنَا " كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ " وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيل كَمَا تَقَدَّمَ .
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض " أَيْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَال صَالِحَة تَصْعَد فِي أَبْوَاب السَّمَاء فَتَبْكِي عَلَى فَقْدهمْ وَلَا لَهُمْ فِي الْأَرْض بِقَاع عَبَدُوا اللَّه تَعَالَى فِيهَا فَقَدَتْهُمْ فَلِهَذَا اِسْتَحَقُّوا أَنْ لَا يُنْظَرُوا وَلَا يُؤَخَّرُوا لِكُفْرِهِمْ وَإِجْرَامهمْ وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادهمْ . قَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق الْبَصْرِيّ حَدَّثَنَا مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة حَدَّثَنِي يَزِيد الرُّقَاشِيّ حَدَّثَنِي أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا مِنْ عَبْد إِلَّا وَلَهُ فِي السَّمَاء بَابَانِ : بَاب يَخْرُج مِنْهُ رِزْقه وَبَاب يَدْخُل مِنْهُ عَمَله وَكَلَامه فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ " وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض " وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَلَى الْأَرْض عَمَلًا صَالِحًا يَبْكِي عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَصْعَد لَهُمْ إِلَى السَّمَاء مِنْ كَلَامهمْ وَلَا مِنْ عَمَلهمْ كَلَام طَيِّب وَلَا عَمَل صَالِح فَتَفْقِدهُمْ فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث مُوسَى بْن عُبَيْدَة وَهُوَ الرَّبَذِيّ . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة حَدَّثَنِي عِيسَى بْن يُونُس عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو عَنْ شُرَيْح بْن عُبَيْد الْحَضْرَمِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ أَلَا لَا غُرْبَة عَلَى مُؤْمِن مَا مَاتَ مُؤْمِن فِي غُرْبَة غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بِوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاء وَالْأَرْض - ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض - ثُمَّ قَالَ - إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِر " وَقَالَ اِبْن أَبَى حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عِصَام حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد يَعْنِي الزُّبَيْرِيّ حَدَّثَنَا الْعَلَاء بْن صَالِح عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه قَالَ سَأَلَ رَجُل عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هَلْ تَبْكِي السَّمَاء وَالْأَرْض عَلَى أَحَد ؟ فَقَالَ لَهُ لَقَدْ سَأَلْتنِي عَنْ شَيْء مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَد قَبْلك إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْد إِلَّا لَهُ مُصَلَّى فِي الْأَرْض مُصْعَد عَمَله مِنْ السَّمَاء وَإِنَّ آل فِرْعَوْن لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَل صَالِح فِي الْأَرْض وَلَا عَمَل يَصْعَد فِي السَّمَاء ثُمَّ قَرَأَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ " وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا طَلْق بْن غَنَّام عَنْ زَائِدَة عَنْ مَنْصُور عَنْ مِنْهَال عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ أَتَى اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا رَجُل فَقَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس أَرَأَيْت قَوْل اللَّه تَعَالَى " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ " فَهَلْ تَبْكِي السَّمَاء وَالْأَرْض عَلَى أَحَد ؟ قَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَد مِنْ الْخَلَائِق إِلَّا وَلَهُ بَاب فِي السَّمَاء مِنْهُ يَنْزِل رِزْقه وَفِيهِ يَصْعَد عَمَله فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِن فَأُغْلِقَ بَابه مِنْ السَّمَاء الَّذِي كَانَ يَصْعَد فِيهِ عَمَله وَيَنْزِل مِنْهُ رِزْقه فَفَقَدَهُ بَكَى عَلَيْهِ وَإِذَا فَقَدَهُ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْض الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَيَذْكُر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بَكَتْ عَلَيْهِ وَإِنَّ قَوْم فِرْعَوْن لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْض آثَار صَالِحَة وَلَمْ يَكُنْ يَصْعَد إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ خَيْر فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض وَرَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو هَذَا . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ يُقَال تَبْكِي الْأَرْض عَلَى الْمُؤْمِن أَرْبَعِينَ صَبَاحًا وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا مَا مَاتَ مُؤْمِن إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاء وَالْأَرْض أَرْبَعِينَ صَبَاحًا قَالَ : فَقُلْت لَهُ أَتَبْكِي الْأَرْض ؟ فَقَالَ أَتَعْجَبُ ؟ وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْد كَانَ يَعْمُرهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود ؟ وَمَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْد كَانَ لِتَكْبِيرِهِ وَتَسْبِيحه فِيهَا دَوِيّ كَدَوِيِّ النَّحْل . وَقَالَ قَتَادَة كَانُوا أَهْوَن عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ تَبْكِي عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَام بْن عَاصِم حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا الْمُسْتَوْرِد بْن سَابِق عَنْ عُبَيْد الْمُكَتِّب عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ مَا بَكَتْ السَّمَاء مُنْذُ كَانَتْ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى اِثْنَيْنِ قُلْت لِعُبَيْدٍ أَلَيْسَ السَّمَاء وَالْأَرْض تَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِن ؟ قَالَ ذَاكَ مَقَامه حَيْثُ يَصْعَد عَمَله قَالَ وَتَدْرِي مَا بُكَاء السَّمَاء ؟ قُلْت لَا قَالَ تَحْمَرّ وَتَصِير وَرْدَة كَالدِّهَانِ : إِنَّ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمَّا قُتِلَ اِحْمَرَّتْ السَّمَاء وَقَطَرَتْ دَمًا وَإِنَّ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا لَمَّا قُتِلَ اِحْمَرَّتْ السَّمَاء . وَحَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان مُحَمَّد بْن عَمْرو زُنَيْج حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد قَالَ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا اِحْمَرَّتْ آفَاق السَّمَاء أَرْبَعَة أَشْهُر قَالَ يَزِيد وَاحْمِرَارهَا بُكَاؤُهَا وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيّ فِي الْكَبِير وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ بُكَاؤُهَا أَنْ تَحْمَرّ أَطْرَافهَا وَذَكَرُوا أَيْضًا فِي مَقْتَل الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ مَا قُلِّبَ حَجَر يَوْمئِذٍ إِلَّا وُجِدَ تَحْته دَم عَبِيط وَأَنَّهُ كَسَفَتْ الشَّمْس وَاحْمَرَّ الْأُفُق وَسَقَطَتْ حِجَارَة وَفِي كُلّ مِنْ ذَلِكَ نَظَر وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ سُخْف الشِّيعَة وَكَذِبهمْ لِيُعَظِّمُوا الْأَمْر وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَظِيم وَلَكِنْ لَمْ يَقَع هَذَا الَّذِي اِخْتَلَقُوهُ وَكَذَبُوهُ وَقَدْ وَقَعَ مَا هُوَ أَعْظَم مِنْ قَتْل الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلَمْ يَقَع شَيْء مِمَّا ذَكَرُوهُ فَإِنَّهُ قَدْ قُتِلَ أَبُوهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ أَفْضَل مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَقَع شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَعُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُتِلَ مَحْصُورًا مَظْلُومًا وَلَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَعُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُتِلَ فِي الْمِحْرَاب فِي صَلَاة الصُّبْح وَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَطْرُقهُمْ مُصِيبَة قَبْل ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَيِّد الْبَشَر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يَوْم مَاتَ لَمْ يَكُنْ شَيْء مِمَّا ذَكَرُوهُ وَيَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم بْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَسَفَتْ الشَّمْس فَقَالَ النَّاس خَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيم فَصَلَّى بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْكُسُوف وَخَطَبَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ .
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ الْعَذَاب الْمُهِين مِنْ فِرْعَوْن إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنْ الْمُسْرِفِينَ " يَمْتَنّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ أَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ إِهَانَة فِرْعَوْن وَإِذْلَاله لَهُمْ وَتَسْخِيره إِيَّاهُمْ فِي الْأَعْمَال الْمُهِينَة الشَّاقَّة .
مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ
وَقَوْله تَعَالَى " مِنْ فِرْعَوْن إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا " أَيْ مُسْتَكْبِرًا جَبَّارًا عَنِيدًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ
" إِنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض " وَقَوْله جَلَّتْ عَظَمَته فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ
" مِنْ الْمُسْرِفِينَ أَيْ مُسْرِف فِي أَمْره سَخِيف الرَّأْي عَلَى نَفْسه .
وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
قَالَ مُجَاهِد " اِخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ " عَلَى مَنْ هُمْ بَيْن ظَهْرَيْهِ وَقَالَ قَتَادَة اُخْتِيرُوا عَلَى أَهْل زَمَانهمْ ذَلِكَ وَكَانَ يُقَال إِنَّ لِكُلِّ زَمَان عَالِمًا وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اِصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاس " أَيْ أَهْل زَمَانه ذَلِكَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام " وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ " أَيْ فِي زَمَنهَا فَإِنَّ خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا إِمَّا أَفْضَل مِنْهَا أَوْ مُسَاوِيَة لَهَا فِي الْفَضْل وَكَذَا آسِيَة بِنْت مُزَاحِم اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَفَضْل عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى النِّسَاء كَفَضْلِ الثَّرِيد عَلَى سَائِر الطَّعَام .
وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ
قَوْله جَلَّ جَلَاله " وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الْآيَات " أَيْ الْحُجَج وَالْبَرَاهِين وَخَوَارِق الْعَادَات " مَا فِيهِ بَلَاء مُبِين " أَيْ اِخْتِبَار ظَاهِر جَلِيّ لِمَنْ اِهْتَدَى بِهِ .
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
يَقُول تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي إِنْكَارهمْ الْبَعْث وَالْمَعَاد وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ إِلَّا هَذِهِ
الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا حَيَاة بَعْد الْمَمَات وَلَا بَعْث وَلَا نُشُور وَيَحْتَجُّونَ بِآبَائِهِمْ الْمَاضِينَ
الَّذِينَ ذَهَبُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا فَإِنْ كَانَ الْبَعْث حَقًّا " فَأْتُوا بِأَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " .
فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
وَهَذِهِ حُجَّة بَاطِلَة وَشُبْهَة فَاسِدَة فَإِنَّ الْمَعَاد إِنَّمَا هُوَ يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي الدَّار الدُّنْيَا بَلْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا " وَذَهَابهَا " وَفَرَاغهَا يُعِيد اللَّه الْعَالَمِينَ خَلْقًا جَدِيدًا وَيَجْعَل الظَّالِمِينَ لِنَارِ جَهَنَّم وَقُودًا يَوْم
" تَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَعِّدًا وَمُنْذِرًا لَهُمْ بَأْسه الَّذِي لَا يُرَدّ كَمَا حَلَّ بِأَشْبَاهِهِمْ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ كَقَوْمِ تُبَّع وَهُمْ سَبَأ حَيْثُ أَهْلَكَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَخَرَّبَ بِلَادهمْ وَشَرَّدَهُمْ فِي الْبِلَاد وَفَرَّقَهُمْ شَذَر مَذَر كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَة سَبَأ وَهِيَ مُصَدَّرَة بِإِنْكَارِ الْمُشْرِكِينَ لِلْمَعَادِ وَكَذَلِكَ هَهُنَا شَبَّهَهُمْ بِأُولَئِكَ وَقَدْ كَانُوا عَرَبًا مِنْ قَحْطَان كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَب مِنْ عَدْنَان وَقَدْ كَانَتْ حِمْيَر وَهُمْ سَبَأ كُلَّمَا مَلَكَ فِيهِمْ رَجُل سَمَّوْهُ تُبَّعًا كَمَا يُقَال كِسْرَى لِمَنْ مَلَكَ الْفَرَس وَقَيْصَر لِمَنْ مَلَكَ الرُّوم وَفِرْعَوْن لِمَنْ مَلَكَ مِصْر كَافِرًا وَالنَّجَاشِيّ لِمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَعْلَام الْأَجْنَاس وَلَكِنْ اُتُّفِقَ أَنَّ بَعْض تَبَابِعَتهمْ خَرَجَ مِنْ الْيَمَن وَسَارَ فِي الْبِلَاد حَتَّى وَصَلَ إِلَى سَمَرْقَنْد وَاشْتَدَّ مُلْكه وَعَظُمَ سُلْطَانه وَجَيْشه وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَته وَبِلَاده وَكَثُرَتْ رَعَايَاهُ وَهُوَ الَّذِي مَصَّرَ الْحِيرَة فَاتَّفَقَ أَنَّهُ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة فَأَرَادَ قِتَال أَهْلهَا فَمَانَعُوهُ وَقَاتَلُوهُ بِالنَّهَارِ وَجَعَلُوا يَقْرُونَهُ اللَّيْل فَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ حَبْرَيْنِ مِنْ أَحْبَار يَهُود كَانَا قَدْ نَصَحَاهُ وَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُ لَا سَبِيل لَهُ عَلَى هَذِهِ الْبَلْدَة فَإِنَّهَا مَهَاجِر نَبِيّ يَكُون فِي آخِر الزَّمَان فَرَجَعَ عَنْهَا وَأَخَذَهُمَا مَعَهُ إِلَى بِلَاد الْيَمَن فَلَمَّا اِجْتَازَ بِمَكَّة أَرَادَ هَدْم الْكَعْبَة فَنَهَيْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا وَأَخْبَرَاهُ بِعَظَمَةِ هَذَا الْبَيْت وَأَنَّهُ مِنْ بِنَاء إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شَأْن عَظِيم عَلَى يَدَيْ ذَلِكَ النَّبِيّ الْمَبْعُوث فِي آخِر الزَّمَان فَعَظَّمَهَا وَطَافَ بِهَا وَكَسَاهَا الْمُلَاء وَالْوَصَائِل وَالْحُبُر ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَن وَدَعَا أَهْلهَا إِلَى الْيَهُود مَعَهُ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ دِين مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِيهِ مَنْ يَكُون عَلَى الْهِدَايَة قَبْل بَعْثَة الْمَسِيح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَتَهَوَّدَ مَعَهُ عَامَّة أَهْل الْيَمَن وَقَدْ ذَكَرَ الْقِصَّة بِطُولِهَا الْإِمَام مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي كِتَابه السِّيرَة وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه تَرْجَمَة حَافِلَة أَوْرَدَ فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا ذَكَرْنَا وَمِمَّا لَمْ يَذْكُر وَذَكَرَ أَنَّهُ مَلَكَ دِمَشْق وَأَنَّهُ كَانَ إِذَا اِسْتَعْرَضَ الْخَيْل صَفَّتْ لَهُ مِنْ دِمَشْق إِلَى الْيَمَن ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا أَدْرِي الْحُدُود طَهَارَة لِأَهْلِهَا أَمْ لَا ؟ وَلَا أَدْرِي تُبَّع لَعِينًا كَانَ أَمْ لَا ؟ وَلَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا كَانَ أَمْ مَلِكًا " وَقَالَ غَيْره " عُزَيْر أَكَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا ؟ " وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ مُحَمَّد بْن حَمَّاد الظَّهْرَانِيّ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق . ثُمَّ رَوَى اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن كُرَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا مَرْفُوعًا " عُزَيْر لَا أَدْرِي أَنَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا ؟ وَلَا أَدْرِي أَلَعِين تُبَّع أَمْ لَا ؟ " ثُمَّ أَوْرَدَ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنْ سَبّه وَلَعْنَته كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَكَأَنَّهُ وَاَللَّه أَعْلَم كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَابَعَ دِين الْكَلِيم عَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ مِنْ أَحْبَار الْيَهُود فِي ذَلِكَ الزَّمَان عَلَى الْحَقّ قَبْل بَعْثَة الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام وَحَجَّ الْبَيْت فِي زَمَن الْجُرْهُمِيِّينَ وَكَسَاهُ الْمُلَاء وَالْوَصَائِل مِنْ الْحَرِير وَالْحُبُر وَنَحَرَ عِنْده سِتَّة آلَاف بَدَنَة وَعَظَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَن وَقَدْ سَاقَ قِصَّته بِطُولِهَا الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة مُطَوَّلَة مَبْسُوطَة عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب وَعَبْد اللَّه بْن سَلَام وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَكَعْب الْأَحْبَار وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع فِي ذَلِكَ كُلّه وَإِلَى عَبْد اللَّه بْن سَلَام أَيْضًا وَهُوَ أَثْبَت وَأَكْبَر وَأَعْلَم وَكَذَا رَوَى قِصَّته وَهْب بْن مُنَبِّه وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة كَمَا هُوَ مَشْهُور فِيهَا . وَقَدْ اِخْتَلَطَ عَلَى الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي بَعْض السِّيَاقَات تَرْجَمَة تُبَّع هَذَا بِتَرْجَمَةِ آخِر مُتَأَخِّر عَنْهُ بِدَهْرٍ طَوِيل فَإِنَّ تُبَّعًا هَذَا الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْقُرْآن أَسْلَمَ قَوْمه عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ عَادُوا بَعْده إِلَى عِبَادَة النِّيرَان وَالْأَصْنَام فَعَاقَبَهُمْ اللَّه تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي سُورَة سَبَأ وَقَدْ بَسَطْنَا قِصَّتهمْ هُنَالِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر كَسَا تُبَّع الْكَعْبَة وَكَانَ سَعِيد يَنْهَى عَنْ سَبّه وَتُبَّع هَذَا هُوَ تُبَّع الْأَوْسَط وَاسْمه أَسْعَد أَبُو كُرَيْب بْن مليكرب الْيَمَانِيّ ذَكَرُوا أَنَّهُ مَلَكَ عَلَى قَوْمه ثَلَاثمِائَةِ سَنَة وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَة وَلَمْ يَكُنْ فِي حِمْيَر أَطْوَل مُدَّة مِنْهُ وَتُوُفِّيَ قَبْل مَبْعَث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوٍ مِنْ سَبْعمِائَةِ سَنَة . وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ الْحَبْرَانِ مِنْ يَهُود الْمَدِينَة أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَة مَهَاجِر نَبِيّ فِي آخِر الزَّمَان اِسْمه أَحْمَد قَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا وَاسْتَوْدَعَهُ عِنْد أَهْل الْمَدِينَة فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَهُ وَيَرْوُونَهُ خَلَفًا عَنْ سَلَف وَكَانَ مِمَّنْ يَحْفَظهُ أَبُو أَيُّوب خَالِد بْن زَيْد الَّذِي نَزَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَاره وَهُوَ : شَهِدْت عَلَى أَحْمَد أَنَّهُ رَسُول مِنْ اللَّه بَارِي النَّسَم فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْره لَكُنْت وَزِيرًا لَهُ وَابْن عَم وَجَاهَدْت بِالسَّيْفِ أَعْدَاءَهُ وَفَرَّجْت مِنْ صَدْره كُلّ غَم وَذَكَرَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا أَنَّهُ حَفَرَ قَبْر بِصَنْعَاء فِي الْإِسْلَام فَوَجَدُوا فِيهِ اِمْرَأَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ وَعِنْد رُءُوسهمَا لَوْح مِنْ فِضَّة مَكْتُوب فِيهِ بِالذَّهَبِ : هَذَا قَبْر حُيَيّ وَتَمِيس وَرَوَى حُيَيّ وَتُمَاضِر اِبْنَتَيْ تُبَّع مَاتَتَا وَهُمَا تَشْهَدَانِ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَلَا تُشْرِكَانِ بِهِ شَيْئًا وَعَلَى ذَلِكَ مَاتَ الصَّالِحُونَ قَبْلهمَا وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَة سَبَأ شِعْر سَبَأ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ قَتَادَة ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول فِي تُبَّع نَعْت الرَّجُل الصَّالِح ذَمَّ اللَّه تَعَالَى قَوْمه وَلَمْ يَذُمّهُ قَالَ وَكَانَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تَقُول : لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا صَفْوَان حَدَّثَنَا الْوَلِيد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي زُرْعَة - يَعْنِي عَمْرو بْن جَابِر الْحَضْرَمِيّ - قَالَ سَمِعْت سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ " وَرَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ حَسَن بْن مُوسَى عَنْ اِبْن لَهِيعَة بِهِ . وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ الْأَبَّار حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَرْزَة حَدَّثَنَا مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَيْضًا أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا أَدْرِي تُبَّع نَبِيًّا كَانَ أَمْ غَيْر نَبِيّ " وَتَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَد مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي حَاتِم كَمَا أَوْرَدَهُ اِبْن عَسَاكِر " لَا أَدْرِي تُبَّع كَانَ لَعِينًا أَمْ لَا " فَاَللَّه أَعْلَم . وَرَوَاهُ اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيق زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى الْمَدَنِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا عِمْرَان أَبُو الْهُذَيْل أَخْبَرَنِي تَمِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَهَى عَنْ سَبّه وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
عاطف ابو احمد
28-04-2008, 12:31 AM
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَدْله وَتَنْزِيهه نَفْسه عَنْ اللَّعِب وَالْعَبَث وَالْبَاطِل كَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّار .
مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
قَالَ تَعَالَى " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّه الْمَلِك الْحَقّ
لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رَبّ الْعَرْش الْكَرِيم " .
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
قَالَ تَعَالَى " إِنَّ يَوْم الْفَصْل مِيقَاتهمْ أَجْمَعِينَ " وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة يَفْصِل اللَّه تَعَالَى فِيهِ بَيْن الْخَلَائِق
فَيُعَذِّب الْكَافِرِينَ وَيُثِيب الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " مِيقَاتهمْ أَجْمَعِينَ " أَيْ يَجْمَعهُمْ كُلّهمْ أَوَّلهمْ وَآخِرهمْ .
يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
" يَوْم لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا " أَيْ لَا يَنْفَع قَرِيب قَرِيبًا كَقَوْلِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى " فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور فَلَا أَنْسَاب بَيْنهمْ يَوْمئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ " وَكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَته " وَلَا يَسْأَل حَمِيم حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ" أَيْ لَا يَسْأَل أَخًا لَهُ عَنْ حَاله وَهُوَ يَرَاهُ عِيَانًا . وَقَوْله جَلَّ وَعَلَا " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ "
أَيْ لَا يَنْصُر الْقَرِيب قَرِيبه وَلَا يَأْتِيه نَصْره مِنْ خَارِج .
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
قَالَ" إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه " أَيْ لَا يَنْفَع يَوْمئِذٍ إِلَّا رَحْمَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِهِ " إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم
" أَيْ هُوَ عَزِيز ذُو رَحْمَة وَاسِعَة .
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يُعَذِّب بِهِ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ لِلِقَائِهِ " إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم " وَالْأَثِيم أَيْ فِي قَوْله وَفِعْله وَهُوَ الْكَافِر وَذَكَرَ غَيْر وَاحِد أَنَّهُ أَبُو جَهْل وَلَا شَكَّ فِي دُخُوله فِي هَذِهِ الْآيَة وَلَكِنْ لَيْسَتْ خَاصَّة بِهِ قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ هَمَّام بْن الْحَارِث أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يُقْرِئ رَجُلًا " إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم " فَقَالَ طَعَام الْيَتِيم فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُلْ إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْفَاجِر أَيْ لَيْسَ لَهُ طَعَام مِنْ غَيْرهَا قَالَ مُجَاهِد وَلَوْ وَقَعَتْ قَطْرَة مِنْهَا فِي الْأَرْض لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْل الْأَرْض مَعَايِشهمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوه مَرْفُوعًا .
طَعَامُ الْأَثِيمِ
" طَعَام الْأَثِيم " وَالْأَثِيم أَيْ فِي قَوْله وَفِعْله وَهُوَ الْكَافِر وَذَكَرَ غَيْر وَاحِد أَنَّهُ أَبُو جَهْل وَلَا شَكَّ فِي دُخُوله فِي هَذِهِ الْآيَة وَلَكِنْ لَيْسَتْ خَاصَّة بِهِ قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ هَمَّام بْن الْحَارِث أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يُقْرِئ رَجُلًا" إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم " فَقَالَ طَعَام الْيَتِيم فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُلْ إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْفَاجِر أَيْ لَيْسَ لَهُ طَعَام مِنْ غَيْرهَا قَالَ مُجَاهِد وَلَوْ وَقَعَتْ قَطْرَة مِنْهَا فِي الْأَرْض لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْل الْأَرْض مَعَايِشهمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوه مَرْفُوعًا.
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ
قَوْله " كَالْمُهْلِ " قَالُوا كَعَكَرِ الزَّيْت " يَغْلِي فِي الْبُطُون " .
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ
" كَغَلْيِ الْحَمِيم " أَيْ مِنْ حَرَارَتهَا وَرَدَاءَتهَا .
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ
قَوْله " خُذُوهُ أَيْ الْكَافِر وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا قَالَ لِلزَّبَانِيَةِ خُذُوهُ اِبْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْهُمْ وَقَوْله " فَاعْتِلُوهُ" أَيْ سُوقُوهُ سَحْبًا وَدَفْعًا فِي ظَهْره قَالَ مُجَاهِد " خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ " أَيْ خُذُوهُ فَادْفَعُوهُ ; وَقَالَ الْفَرَزْدَق : لَيْسَ الْكِرَام بِنَاحِلِيك أَبَاهُمْ حَتَّى تَرِد إِلَى عَطِيَّة تُعْتَل " إِلَى سَوَاء الْجَحِيم " أَيْ وَسَطهَا .
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ
" ثُمَّ صُبُّوا فَوْق رَأْسه مِنْ عَذَاب الْحَمِيم " كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " يُصَبّ مِنْ فَوْق رُءُوسهمْ الْحَمِيم يُصْهَر بِهِ مَا فِي بُطُونهمْ وَالْجُلُود" وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَلَك يَضْرِبهُ بِمِقْمَعَةٍ مِنْ حَدِيد فَتَفْتَح دِمَاغه ثُمَّ يُصَبّ الْحَمِيم عَلَى رَأْسه فَيَنْزِل فِي بَدَنه فَيَسْلُت مَا فِي بَطْنه مِنْ أَمْعَائِهِ حَتَّى تَمْرُق مِنْ كَعْبَيْهِ - أَعَاذَنَا اللَّه تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ .
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
قَوْله تَعَالَى " ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " أَيْ قُولُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْه التَّهَكُّم وَالتَّوْبِيخ وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْ لَسْت بِعَزِيزٍ وَلَا كَرِيم . وَقَدْ قَالَ الْأُمَوِيّ فِي مَغَازِيه حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر الْهُذَلِيّ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ لَقِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا جَهْل لَعَنَهُ اللَّه فَقَالَ " إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أَقُول لَك أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى" قَالَ فَنَزَعَ ثَوْبه مِنْ يَده وَقَالَ مَا تَسْتَطِيع لِي أَنْتَ وَلَا صَاحِبك مِنْ شَيْء وَلَقَدْ عَلِمْت أَنِّي أَمْنَع أَهْل الْبَطْحَاء وَأَنَا الْعَزِيز الْكَرِيم قَالَ فَقَتَلَهُ اللَّه تَعَالَى يَوْم بَدْر وَأَذَلَّهُ وَعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ وَأَنْزَلَ " ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " .
إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ" إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى" يَوْم يُدَعُّونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعًّا هَذِهِ النَّار الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْر هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ" وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا " إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ " .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَال الْأَشْقِيَاء عَطَفَ بِذِكْرِ السُّعَدَاء وَلِهَذَا سُمِّيَ الْقُرْآن مَثَانِي فَقَالَ " إِنَّ الْمُتَّقِينَ " أَيْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا" فِي مَقَام أَمِين " أَيْ فِي الْآخِرَة وَهُوَ الْجَنَّة قَدْ أَمِنُوا فِيهَا مِنْ الْمَوْت وَالْخُرُوج وَمِنْ كُلّ هَمّ وَحُزْن وَجَزَع وَتَعَب وَنَصَب وَمِنْ الشَّيْطَان وَكَيْده وَسَائِر الْآفَات وَالْمَصَائِب.
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
" فِي جَنَّات وَعُيُون " وَهَذَا فِي مُقَابَلَة مَا أُولَئِكَ فِيهِ مِنْ شَجَرَة الزَّقُّوم وَشُرْب الْحَمِيم .
يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ
قَوْله تَعَالَى" يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس " وَهُوَ رَفِيع الْحَرِير كَالْقُمْصَانِ وَنَحْوهَا
" وَإِسْتَبْرَق " وَهُوَ مَا فِيهِ بَرِيق وَلَمَعَان وَذَلِكَ كَالرِّيَاشِ وَمَا يُلْبَس عَلَى أَعَالِي الْقُمَاش
" مُتَقَابِلِينَ" أَيْ عَلَى السُّرَر لَا يَجْلِس أَحَد مِنْهُمْ وَظَهْره إِلَى غَيْره.
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
قَوْله تَعَالَى كَذَلِكَ" وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين " أَيْ هَذَا الْعَطَاء مَعَ مَا قَدْ مَنَحْنَاهُمْ مِنْ الزَّوْجَات الْحِسَان الْحُور الْعِين اللَّاتِي" لَمْ يَطْمِثهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ " " كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوت وَالْمَرْجَان " " هَلْ جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا نُوح بْن حَبِيب حَدَّثَنَا نَصْر بْن مُزَاحِم الْعَطَّار حَدَّثَنَا عُمَر بْن سَعْد عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رَفَعَهُ نُوح قَالَ : لَوْ أَنَّ حَوْرَاء بَزَقَتْ فِي بَحْر لُجَيّ لَعَذُبَ الْمَاء لِعُذُوبَةِ رِيقهَا .
يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ" يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ " أَيْ مَهْمَا طَلَبُوا مِنْ أَنْوَاع الثِّمَار أُحْضِرَ لَهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ مِنْ اِنْقِطَاعه وَامْتِنَاعه بَلْ يُحْضَر إِلَيْهِمْ كُلَّمَا أَرَادُوا .
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
قَوْله " لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى " هَذَا اِسْتِثْنَاء يُؤَكِّد النَّفْي فَإِنَّهُ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت أَبَدًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يُؤْتَى بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار ثُمَّ يُذْبَح ثُمَّ يُقَال يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت وَيَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث فِي سُورَة مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق حَدَّثَنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي مُسْلِم الْأَغَرّ عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَا : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُقَال لِأَهْلِ الْجَنَّة إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَعِيشُوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا " رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَعَبْد بْن حُمَيْد كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهِ هَكَذَا يَقُول أَبُو إِسْحَاق وَأَهْل الْعِرَاق أَبُو مُسْلِم الْأَغَرّ وَأَهْل الْمَدِينَة يَقُولُونَ أَبُو عَبْد اللَّه الْأَغَرّ . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَفْص عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ الْحَجَّاج هُوَ اِبْن حَجَّاج عَنْ عُبَادَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" مَنْ اِتَّقَى اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة يُنَعَّم فِيهَا وَلَا يَبْأَس وَيَحْيَا فِيهَا فَلَا يَمُوت لَا تَبْلَى ثِيَابه وَلَا يَفْنَى شَبَابه" وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُحَمَّد النَّاقِد حَدَّثَنَا سُلَيْم بْن عَبْد اللَّه الرَّقِّيّ حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن الرَّبِيع الْكُوفِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سُئِلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَنَامُ أَهْل الْجَنَّة ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " النَّوْم أَخُو الْمَوْت وَأَهْل الْجَنَّة لَا يَنَامُونَ " وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْقَاسِم بْن صَدَقَة الْمِصْرِيّ حَدَّثَنَا الْمِقْدَام بْن دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" النَّوْم أَخُو الْمَوْت وَأَهْل الْجَنَّة لَا يَنَامُونَ " . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن يَعْقُوب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قِيلَ يَا رَسُول اللَّه هَلْ يَنَام أَهْل الْجَنَّة ؟ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا النَّوْم أَخُو الْمَوْت " ثُمَّ قَالَ لَا نَعْلَم أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِلَّا الثَّوْرِيّ وَلَا عَنْ الثَّوْرِيّ إِلَّا الْفِرْيَابِيّ هَكَذَا قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَاف ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله تَعَالَى " وَوَقَاهُمْ عَذَاب الْجَحِيم " أَيْ مَعَ هَذَا النَّعِيم الْعَظِيم الْمُقِيم قَدْ وَقَاهُمْ وَسَلَّمَهُمْ وَنَجَّاهُمْ وَزَحْزَحَهُمْ عَنْ الْعَذَاب الْأَلِيم فِي دَرَكَات الْجَحِيم فَحَصَلَ لَهُمْ الْمَطْلُوب وَنَجَّاهُمْ مِنْ الْمَرْهُوب .
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " فَضْلًا مِنْ رَبّك ذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم " أَيْ إِنَّمَا كَانَ هَذَا بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " اِعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا لَنْ يُدْخِلهُ عَمَله الْجَنَّة " قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّه بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْل.
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " أَيْ إِنَّمَا يَسَّرْنَا هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ سَهْلًا وَاضِحًا بَيِّنًا جَلِيًّا بِلِسَانِك الَّذِي هُوَ أَفْصَح اللُّغَات وَأَجْلَاهَا وَأَحْلَاهَا وَأَعْلَاهَا " لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " أَيْ يَتَفَهَّمُونَ وَيَعْلَمُونَ ثُمَّ لَمَّا كَانَ مَعَ هَذَا الْوُضُوح وَالْبَيَان مِنْ النَّاس مَنْ كَفَرَ وَخَالَفَ وَعَانَدَ قَالَ اللَّه تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَلِّيًا لَهُ وَوَاعِدًا لَهُ بِالنَّصْرِ وَمُتَوَعِّدًا لِمَنْ كَذَّبَهُ بِالْعَطَبِ وَالْهَلَاك .
فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ
" فَارْتَقِبْ " أَيْ اِنْتَظِرْ" إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ " أَيْ فَسَيَعْلَمُونَ لِمَنْ تَكُون النُّصْرَة وَالظَّفَر وَعُلُوّ الْكَلِمَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِنَّهَا لَك يَا مُحَمَّد وَلِإِخْوَانِك مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَمَنْ اِتَّبَعَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " كَتَبَ اللَّه لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد يَوْم لَا يَنْفَع الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتهمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار "
آخِر تَفْسِير سُورَة الدُّخَان وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة .
عاطف ابو احمد
28-04-2008, 12:32 AM
يا باغى الخير اقبل لوضع تفسير
~*¤ô§ô¤*~سورة الجاثية~*¤ô§ô¤*~
فمن هو السعيد المتصدى لهذا الخير العظيم؟
شمس الغروب
28-04-2008, 10:49 AM
سورة الجاثية
مقدمة السورة
سورة الجاثية مكية كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية، هي « قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله » [ الجاثية: 14 ] نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ذكره الماوردي. وقال المهدوي والنحاس عن ابن عباس: إنها نزلت في عمر رضي الله عنه، شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة. فأراد أن يبطش به، فأنزل الله عز وجل: « قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله » [ الجاثية: 14 ] ثم نسخت بقوله: « فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » [ التوبة: 5 ] . فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف. وهي سبع وثلاثون آية. وقيل ست.
الآيات: 1 - 2 ( حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم )
قوله تعالى: « حم » مبتدأ و « تنزيل » خبره. وقال بعضهم: « حم » اسم السورة. و « تنزيل الكتاب » مبتدأ. وخبره « من الله » . والكتاب القرآن. « العزيز » المنيع. « الحكيم » في فعله. وقد تقدم جميعه.
الآيات: 3 - 5 ( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون )
قوله تعالى: « إن في السماوات والأرض » أي في خلقهما « لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق » يعني المطر. « فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون » تقدم جميعه. وقراءة العامة وما يبث من دابة آيات « » وتصريف الرياح آيات « بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم » إن « وخبرها » في السموات « . ووجه الكسر في » آيات « الثاني العطف على ما عملت فيه؛ التقدير: إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. فأما الثالث فقيل: إن وجه النصب فيه تكرير » آيات « لما طال الكلام؛ كما تقول: ضرب زيدا زيدا. وقيل: إنه على الحمل على ما عملت فيه » إن « على تقدير حذف » في « ؛ التقدير: وفي اختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت » في « لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف: »
كل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا
فحذف « كل » المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف على عاملين. ولم يجزه سيبوبه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين؛ فعطف « واختلاف » على قوله: ( وفي خلقكم ) ثم قال: ( وتصريف الرياح آيات ) فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين؛ إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع « إن » مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين؛ لأنه عطف « واختلاف » على « وفي خلقكم » ، وعطف « آيات » على موضع « آيات » الأول، ولكنه يقدر على تكرير « في » . ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع « واختلاف » و « آيات » جميعا، وجعل الاختلاف هو الآيات.
الآية: 6 ( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون )
قوله تعالى: « تلك آيات الله » أي هذه آيات الله أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته. « نتلوها عليك بالحق » أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه. وقرئ « يتلوها » بالياء. « فبأي حديث بعد الله » أي بعد حديث الله وقيل بعد قرآنه « وآياته يؤمنون » وقراءة العامة بالياء على الخبر. وقرأ ابن محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي « تؤمنون » بالتاء على الخطاب.
الآيات: 7 - 8 ( ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم )
قوله تعالى: « ويل لكل أفاك أثيم » « ويل » واد في جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفاك: الكذاب. والإفك الكذب. ( أثيم ) أي مرتكب للإثم. والمراد فيما روي: النضر بن الحارث وعن ابن عباس أنه الحارث بن كلدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه. « يسمع آيات الله تتلى عليه » يعني آيات القرآن. « ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها » أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد مأخوذ من صر الصرة إذا شدها. قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل: أصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه. و « أن » من « كان » مخففة من الثقيلة؛ كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن؛ كما في قوله:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم
ومحل الجملة النصب، أي يصر مثل غير السامع. وقد تقدم في أول « لقمان » القول في هذه الآية. وتقدم معنى « فبشره بعذاب أليم » في « البقرة » .
الآيات: 9 - 10 ( وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين، من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم )
قوله تعالى: « وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا » نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. « أولئك لهم عذاب مهين » مذل مخز. « من ورائهم جهنم » أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم. وقال ابن عباس: « من ورائهم جهنم » أي أمامهم، نظيره: « من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد » [ إبراهيم: 16 ] أي من أمامه. قال:
أليس ورائي إن تراخت منيتي أدب مع الولدان أزحف كالنسر
« ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا » أي من المال والولد؛ نظيره: « لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا » [ آل عمران: 10 ] أي من المال والولد. « ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء » يعني الأصنام. « ولهم عذاب عظيم » أي دائم مؤلم.
الآية: 11 ( هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم )
قوله تعالى: « هذا هدى » ابتداء وخبر؛ يعني القرآن. وقال ابن عباس: يعني كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. « والذين كفروا بآيات ربهم » أي جحدوا دلائله. « لهم عذاب من رجز أليم » الرجز العذاب؛ أي لهم عذاب من عذاب أليم دليله قوله تعالى: « فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء » [ البقرة: 59 ] أي عذابا. وقيل: الرجز القذر مثل الرجس؛ وهو كقوله تعالى: « ويسقى من ماء صديد » [ إبراهيم: 16 ] أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر. وضم الراء من الرجز ابن محيصن حيث وقع. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحفص « أليم » بالرفع؛ على معنى لهم عذاب أليم من رجز. الباقون بالخفض نعتا للرجز.
الآيات: 12 - 13 ( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )
قوله تعالى: « الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون » ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم. « وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه » يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام. وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما « جميعا منه » بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو: وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها « منه » أي تفضلا وكرما. وعن مسلمة بن محارب أيضا « جميعا منه » على إضافة المن إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف، أي ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة. « إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون » .
شمس الغروب
28-04-2008, 10:52 AM
الآية: 14 ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون )
قوله تعالى: « قل للذين آمنوا يغفروا » جزم على جواب « قل » تشبيها بالشرط والجزاء كقولك: قم تصب خيرا. وقيل: هو على حذف اللام. وقيل: على معنى قل لهم اغفروا يغفروا؛ فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه؛ قال علي بن عيسى واختاره ابن العربي. ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به. قال ابن العربي: وهذا لم يصح. وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبدالله بن أبي في غزوة بني المصطلق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها « المريسيع » فأرسل عبدالله غلامه ليستقي، وأبطأ عليه فقال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه. فقال عبدالله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. فبلغ عمر رضي الله عنه قول، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله؛ فأنزل الله هذه الآية. هذه رواية عطاء عن ابن عباس. وروى عنه ميمون بن مهران قال: لما نزلت « من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا » [ البقرة: 245 ] قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد! قال: فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه؛ فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) . وأعلم أن عمر قد أشتمل عل سيفه وخرج في طلب اليهودي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، فلما جاء قال: ( يا عمر، ضع سيفك ) قال: يا رسول الله، صدقت. أشهد أنك أرسلت بالحق. قال: ( فإن ربك يقول: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) قال: لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي.
قلت: وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول القرظي والسدي، وعليه يتوجه النسخ في الآية. وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة. ومعنى « يغفروا » يعفوا ويتجاوزوا. ومعنى: « لا يرجون أيام الله » أي لا يرجون ثوابه. وقيل: أي لا يخافون بأس الله ونقمه. وقيل: الرجاء بمعنى الخوف؛ كقوله: « ما لكم لا ترجون لله وقارا » [ نوح: 13 ] أي لا تخافون له عظمة. والمعنى: لا تخشون مثل عذاب الأمم الخالية. والأيام يعبر بها عن الوقائع. وقيل: لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل: المعنى لا يخافون البعث. « ليجزي قوما بما كانوا يكسبون » قراءة العامة « ليجزي » بالياء على معنى ليجزي الله. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر « لنجزي » بالنون على التعظيم. وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة « ليجزى » بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل المجهول، « قوما » بالنصب. قال أبو عمرو: وهذا لحن ظاهر. وقال الكسائي: معناه ليجزي الجزاء قوما، نظيره: « وكذلك نجي المؤمنين » على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة « الأنبياء » . قال الشاعر:
ولو وَلَدت قُفيرة جرو كلب لَسُبَّ بذلك الجروِ الكلابا
أي لَسُبَّ السب.
الآية: 15 ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون )
تقدم.
الآيات: 16 - 17 ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين، وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )
قوله تعالى: « ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب » يعني التوراة. « والحكم والنبوة » الحكم: الفهم في الكتاب. وقيل: الحكم على الناس والقضاء. و « النبوة » يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. « ورزقناهم من الطيبات » أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المن والسلوى في التيه. « وفضلناهم على العالمين » أي على عالمي زمانهم. « وآتيناهم بينات من الأمر » قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل: بينات الأم شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. « فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم » يريد يوشع بن نون؛ فآمن بعضهم وكفر بعضهم؛ حكاه النقاش. وقيل: « إلا من بعد ما جاءهم العلم » نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها. « بغيا بينهم » أي حسدا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال معناه الضحاك. قيل: معنى « بغيا » أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. « إن ربك يقضي بينهم » أي يحكم ويفصل. « يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون » في الدنيا.
الآية: 18 ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون )
قوله تعالى: « ثم جعلناك على شريعة من الأمر » الشريعة في اللغة: المذهب والملة. ويقال لمشرعة الماء - وهي مورد الشاربة - : شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين؛ والجمع الشرائع. والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه. فمعنى: « جعلناك على شريعة من الأمر » أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق. وقال ابن عباس: « على شريعة » أي على هدى من الأمر. قتادة: الشريعة الأم والنهي والحدود والفرائض. مقاتل: البينة؛ لأنها طريق إلى الحق. الكلبي: السنة؛ لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. ابن زيد: الدين؛ لأنه طريق النجاة. قال ابن العربي: والأمر يرد في اللغة بمعنيين: أحدهما: بمعنى الشأن كقوله: « فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد » [ هود: 97 ] . والثاني: أحد أقسام الكلام الذي يقابله الذي يقابله النهي. وكلاهما يصح أن يكون مرادا هاهنا؛ وتقديره: ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام؛ كما قال تعالى: « ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين » [ النحل: 123 ] .
ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه.
قال ابن العربي: ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا؛ لأن الله تعالى أفرد النبي صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا. « ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون » يعني المشركين. وقال ابن عباس: قريظة والنضير. وعنه: نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه.
الآية: 19 ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين )
قوله تعالى: « إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا » أي إن اتبعت أهواءهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا. « وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض » أي أصدقاء وأنصار وأحباب. قال ابن عباس: يريد أن المنافقين أولياء اليهود. « والله ولي المتقين » أي ناصرهم ومعينهم. والمتقون هنا: الذين أتقوا الشرك والمعاصي.
الآية: 20 ( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون )
قوله تعالى: « هذا بصائر للناس » ابتداء وخبر؛ أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرئ « هذه بصائر » أي هذه الآيات. « وهدى » أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن أخذ به. « ورحمة » في الآخرة « لقوم يوقنون » .
الآية: 21 ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون )
قوله تعالى: « أم حسب الذين اجترحوا السيئات » أن اكتسبوها. والاجتراح: الاكتساب؛ ومنه الجوارح، وقد تقدم. « أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات » قال الكلبي: « الذين اجترحوا » عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. و « الذين آمنوا » علي وحمزة وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. وقيل: نزلت في قوم من المشركين قالوا: إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن؛ كما أخبر الرب عنهم في قوله: « ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى » [ فصلت: 50 ] . وقوله: « أم حسب » استفهام معطوف معناه الإنكار. وأهل العربية يجوزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب. وقوم يقولون: فيه إضمار؛ أي والله ولي المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي بينهم. وقيل: هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. وقراءة العامة « سواء » بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم، أي محياهم ومماتهم سواء. والضمير في « محياهم ومماتهم » يعود على الكفار، أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش بالنصب، واختاره أبو عبيد قال: معناه نجعلهم سواء. وقرأ الأعمش أيضا وعيسى بن عمر « ومماتهم » بالنصب؛ على معنى سواء في محياهم ومماتهم؛ فلما أسقط الخافض انتصب. ويجوز أن يكون بد لا من الهاء والميم في نجعلهم؛ المعنى: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم. ويجوز أن يكون الضمير في « محياهم ومماتهم » للكفار والمؤمنين جميعا. قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا. وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحا عن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي « أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات » الآية كلها. وقال بشير: بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد. وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت، شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة.
الآية: 22 ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون )
قوله تعالى: « وخلق الله السماوات والأرض بالحق » أي بالأمر الحق. « ولتجزى » أي ولكي تجزى. « كل نفس بما كسبت » أي في الآخرة. « وهم لا يظلمون » .
شمس الغروب
28-04-2008, 10:57 AM
الآية: 23 ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون )
قوله تعالى: « أفرأيت من اتخذ إلهه هواه » قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه؛ فلا يهوى شيئا إلا ركبه. وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه؛ فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر؛ فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة: إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة. وقيل: المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازه: أفرأيت من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، قال الله تعالى: « واتبع هواه فمثله كمثل الكلب » [ الأعراف: 176 ] . وقال تعالى: « واتبع هواه وكان أمره فرطا » [ الكهف: 28 ] . وقال تعالى: « بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله » [ الروم: 29 ] . وقال تعالى: « ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله » [ القصص: 50 ] . وقال تعالى: « ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله » [ ص: 26 ] . وقال عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » . وقال أبو أمامة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى » . وقال شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله » . وقال عليه السلام: « إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة » . وقال صلى الله عليه وسلم: « ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب » . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه؛ فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح. وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول:
إن الهوان هو الهوى قلب اسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شام فنظمه وقال:
نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال آخر:
إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد كسبت هوانا
وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى فاخضع لحبك كائنا من كانا
ولعبدالله بن المبارك:
ومن البلايا للبلاء علامة ألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع تارة ويجوع
ولابن دريد:
إذا طالبتك النفس يوما بشهوه وكان إليها للخلاف طريق
فدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدو والخلاف صديق
ولأبي عبيد الطوسي:
والنفس إن أعطيتها مناها فاغرة نحو هواها فاها
وقال أحمد بن أبي الحوارى: مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له: أنت عليل. قال نعم. قلت: مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال: قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال: مخالفة الهوى. وقال سهل بن عبدالله التري: هواك داؤك. فان خالفته فدواؤك. وقال وهب: إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه؛ وحسبك بقوله تعالى: « وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى » [ النازعات:41 ] .
قوله تعالى: « وأضله الله على علم » أي على علم قد علمه منه. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال ابن عباس: أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل. مقاتل: على علم منه أنه ضال؛ والمعنى متقارب. وقيل: على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل: « على علم » يجوز أن يكون حالا من الفاعل؛ المعنى: أضله على علم منه به، أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. ويجوز أن يكون حالا من المفعول؛ فيكون المعنى: أضله في حال علم الكافر بأنه ضال. « وختم على سمعه وقلبه » أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. « وجعل على بصره غشاوة » أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرأ حمزه والكسائي « غشوة » بفتح الغين من غير ألف وقال الشاعر:
أما والذي أنا عبد له يمينا ومالك أبدى اليمينا
لئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصفيتك الود حينا
« فمن يهديه من بعد الله » أي من بعد أن أضله. « أفلا تتذكرون » تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء.
وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية وسلك سبيلهم في الاعتقاد؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. ثم قيل: « وختم على سمعه وقلبه » إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. وقيل: إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم؛ كما تقدم في أول « البقرة » . وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة. وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم إنه لصادق! فقال له مه! وما دلك على ذلك!؟ قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين؛ فلما تم عقله وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم إنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا. فنزلت: « وختم على سمعه وقلبه » .
الآية: 24 ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون )
قوله تعالى: « وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا » هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء. ومعنى: « نموت ونحيا » أي نموت نحن وتحيا أولادنا؛ قال الكلبي. وقرئ « ونحيا » بضم النون. وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي نحيا ونموت؛ وهي قراءة ابن مسعود. « وما يهلكنا إلا الدهر » قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر، والمعنى واحد. وقرئ « إلا دهر يمر » . وقال ابن عيينة: كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا؛ فنزلت هذه الآية. وقال قطرب: وما يهلكنا إلا الموت؛ وأنشد قول أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
وقال عكرمة: أي وما يهلكنا إلا الله. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار » .
قلت: قوله « قال الله » إلى آخره نص البخاري ولفظه. وخرجه مسلم أيضا وأبو داود. وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر ) . وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله. وقال: من لم يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها؛ فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية؛ فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ذلك: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر؛ أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه؛ فنهوا عن ذلك. ودل على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ابن آدم... ) الحديث. ولقد أحسن من قال، وهو أبو علي الثقفي:
يا عاتب الدهر إذا نابه لا تلم الدهر على غدره
الدهر مأمور، له آمر وينتهي الدهر إلى أمره
كم كافر أمواله جمة تزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم يزداد إيمانا على فقره
وروي أن سالم بن عبدالله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال: إياك يا بني وذكر الدهر! وأنشد:
فما الدهر بالجاني لشيء لحينة ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا
ولكن متى ما يبعث الله باعثا على معشر يجعل مياسيرهم عسرا
وقال أبو عبيد: ناظرت بعض الملحدة فقال: ألا تراه يقول: « فإن الله هو الدهر » ؟ فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى:
إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضوا مهلا
استأثر الله بالوفاء وبالعد ل وولى الملامة الرجلا
قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب؛ حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه. قال عمرو بن قميئة:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذاً لاتقيتها ولكنني أرمى بغير سهام
على الراحتين مرة وعلى العصا أنوء ثلاثا بعدهن قيامي
ومثله كثير في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه، والله سبحانه الفاعل لا رب سواه. « وما لهم بذلك من علم » أي علم. و « من » زائدة؛ أي قالوا ما قالوا شاكين. « إن هم إلا يظنون » أي ما هم إلا يتكلمون بالظن. وكان المشركون أصنافا، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين؛ فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم؛ فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار؛ لأن هؤلاء يلبسون على الحق، ويغتر بتلبيسهم الظاهر. والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم. وقيل: نموت وتحيا آثارنا؛ فهذه حياة الذكر. وقيل: أشاروا إلى التناسخ؛ أي يموت الرجل فتجعل روحه. في موات فتحيا به.
الآيات: 25 - 26 ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون )
قوله تعالى: « وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات » أي وإذ تقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثم دفع « ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بأبائنا إن كنتم صادقين » « حجتهم » خبر كان والاسم « إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا » الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون، فرد الله عليهم بقوله « قل الله يحيكم » يعني بعد كونكم نطفا أمواتا « ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه » كما أحياكم في الدنيا. « ولكن أكثر الناس لا يعلمون » أن الله يعيدهم كما بدأهم. الزمخشري: فإن قلت لم سمي قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع
كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفي أن تكون لهم حجة البتة. فإن قلت: كيف وقع قوله: « قل الله يحييكم » جواب « ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين » ؟ قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من أن الله عز وجل وهو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق وهو جمعهم يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.
الآية: 27 ( ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون )
قوله تعالى: « ولله ملك السماوات والأرض » خلقا وملكا. « ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون » « يوم » الأول منصوب بـ « يخسر » و « يومئذ » تكرير للتأكيد أو بدل. وقيل: إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة. والعامل في « يومئذ » « يخسر » ، ومفعول « يخسر » محذوف، والمعنى يخسرون منازلهم في الجنة.
الآية: 28 ( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون )
قوله تعالى: « وترى كل أمة جاثية » أي من هول ذلك اليوم. والأمة هنا: أهل كل ملة. وفي الجاثية تأويلات خمس: الأول: قال مجاهد: مستوفزة. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله. الضحاك: ذلك عند الحساب. الثاني: مجتمعة قاله ابن عباس. الفراء: المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين. الثالث: متميزة، قاله عكرمة. الرابع: خاضعة بلغة قريش، قال مؤرج. الخامس: باركة على الركب قاله الحسن. والجثو: الجلوس على الركب. جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جُثُوّا وجُثِيا، على فعول؟؟ منها، وقد مضى في « مريم » : وأصل الجثوة: الجماعة من كل شيء. قال طرفه يصف قبرين:
ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد
ثم قيل: هو خاص بالكفار، قاله يحي بن سلام. وقيل: إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبدالله بن باباه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم » ذكره الماوردي. وقال سلمان: إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه السلام لينادي « لا أسألك اليوم إلا نفسي » . « كل أمة تدعى إلى كتابها » قال يحي بن سلام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر، قال مقاتل. وهو معنى قول مجاهد. وقيل: « كتابها » ما كتبت الملائكة عليها. وقيل كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه. وقيل: الكتاب ها هنا اللوح المحفوظ. وقرأ يعقوب الحضرمي « كل أمة » بالنصب على البدل من « كل » الأولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى، إذ ليس في جثوها شيء من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه وهو استدعاؤها إلى كتابها. وقيل: انتصب بإعمال « ترى » مضمرا. والرفع على الابتداء. « اليوم تجزون ما كنتم تعملون » من خير أو شر.
الآية: 29 ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون )
قوله تعالى: « هذا كتابنا » قيل من قول الله لهم. وقيل من قول الملائكة. « ينطق عليكم بالحق » أي يشهد. وهو استعارة يقال: نطق الكتاب بكذا أي بين. وقيل: إنهم يقرؤونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم، دليله قوله: « ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها » [ الكهف: 49 ] . وفي المؤمنين: « ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون » وقد تقدم. و « ينطق » في، موضع الحال من الكتاب، أو من ذا، أو خبر ثان لذا، أو يكون « كتابنا » بدلا من « هذا » و « ينطق » الخبر. « إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون » أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون. قال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وقال ابن عباس: إن الله وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب لا زيادة فيه ولا نقصان. قال ابن عباس: وهل يكون النسخ إلا من كتاب. الحسن: نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم، لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال. وقيل: تحمل الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد، ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخ منه الحسنات والسيئات، ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية. وقيل: إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله عز وجل أمر بأن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
الآيات: 30 - 31 ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين، وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين )
قوله تعالى: « فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته » أي الجنة « ذلك هو الفوز المبين. وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم » أي فيقال لهم ذلك. وهو استفهام توبيخ. « فاستكبرتم » عن قبولها. « وكنتم قوما مجرمين » أي مشركين تكسبون المعاصي. يقال: فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم، فالمجرم من أكسب نفسه المعاصي. وقد قال الله تعالى: « أفنجعل المسلمين كالمجرمين » [ القلم: 35 ] فالمجرم ضد المسلم فهو المذنب بالكفر إذا.
الآية: 32 ( وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين )
قوله تعالى: « وإذا قيل إن وعد الله حق » أي البعث كائن. « والساعة لا ريب فيها » وقرأ حمزة « والساعة » بالنصب عطفا على « وعد » . الباقون بالرفع على الابتداء، أو العطف على موضع « إن وعد الله » . ولا يحسن على الضمير الذي في المصدر، لأنه غير مؤكد، والضمير المرفوع إنما يعطف عليه بغير تأكيد في الشعر. « قلتم ما ندري ما الساعة » هل هي حق أم باطل. « إن نظن إلا ظنا » تقديره عند المبرد: إن نحن إلا نظن ظنا. وقيل: التقدير: إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا. وقيل: أي وقلتم إن نظن إلا ظنا « وما نحن بمستيقنين » أن الساعة آتية
شمس الغروب
28-04-2008, 11:03 AM
الآية: 33 ( وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون )
قوله تعالى: « وبدا لهم سيئات ما عملوا » أي ظهر لهم جزاء سيئات ما عملوا. « وحاق بهم » أي نزل بهم وأحاط. « ما كانوا به يستهزئون » من عذاب الله.
الآية: 34 ( وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين )
قوله تعالى: « وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا » أي نترككم في النار كما تركتم لقاء يومكم هذا أي تركتم العمل له. « ومأواكم النار » أي مسكنكم ومستقركم. « وما لكم من ناصرين » من ينصركم.
الآية: 35 ( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون )
قوله تعالى: « ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله » يعني القرآن. « هزوا » لعبا. « وغرتكم الحياة الدنيا » أي خدعتكم بأباطيلها وزخارفها، فظننتم أن ليس ثم غيرها، وأن لا بعث. « فاليوم لا يخرجون منها » أي من النار. « ولا هم يستعتبون » يسترضون. وقرأ حمزة والكسائي « فاليوم لا يخرجون » بفتح الياء وضم الراء لقوله تعالى: « كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها » [ السجدة: 20 ] الباقون بضم الياء وفتح الراء، لقوله تعالى: « ربنا أخرجنا » [ فاطر: 37 ] ونحوه.
الآيات: 36 - 37 ( فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم )
قوله تعالى: « فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين » قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن « رب السموات ورب الأرض رب العالمين » بالرفع فيها كلها على معنى هو رب. « وله الكبرياء » أي العظمة والجلال والبقاء والسلطان والقدرة والكمال. « في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم » والله أعلم.
شمس الغروب
28-04-2008, 11:04 AM
تم الانتهاء من تفسير
سوره الجاثيه
فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين »
شهد الجنه
28-04-2008, 12:12 PM
بارك الله بكم اخوانى واخواتى على المشاركات الطيبه جعلها الله بميزان حسناتكم
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd by
f3al.com diamond